أشياء أقسم بها الله في القرآنكتب ـ محمود خليل:"نزل القرآن الكريم بلغة العرب ومن عاداتهم القسم إذا أرادوا تأكيد أمر، وقد جرى القران الكريم على هذا النحو، فاستخدم صيغا متعددة للقسم، منها ماهو ملموس وما هو معنوي، فما الأشياء التي استخدمها الله تعالى في القسم وما دلالاتها ؟"
مكةالتي أقسم بها المولي، عز وجل، تلميحاً في سورة البلد التي تقع في الجزءِ الـ30، وهي السورة رقم 90 في القرآن الكريم من حيثُ الترتيب، نزلتْ بعد سورة ق، أقسَمَ الله سبحانه وتعالى، في بداية السورة الكريمة بالبلد الحرام، أي سَكَن النبيّ الكريم محمّد، صلى الله عليه وسلم، فكان قوله سبحانه وتعالى، "لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ"، أي: أقسم يا محمد بمكة، البلد الحرام.يعد هذا القسم تكريمًا لمقامه الرفيع عند الله، عزّ وجل، لأن أي مكان يحلُّ به يضفي على المكان جمالًا وبهاءً وشرفًا ورفعة ومكانة عالية، كما ازدادتْ مكة، شرفًا ومكانةً لوجود مقامه الكريم فيها، ولتبيّن للكفار أنّ إيذاء النبيّ الكريم، صلى الله عليه وسلم، في البلد الأمين من الكبائر عندَ الله. لم ترد لفظة "مكة"، في القرآن الكريم إلا مرة واحدة، في قول الله عز وجل، "وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا"، كما ذكرت مكة المكرمة مرة أخرى بلفظ "بكة"، في قول الله تعالى: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ". يقول المفسرون: إن اسم "مكة"، يُطلق على كل البلد، بينما "بكة"، يطلق على البيت الحرام الذي فيه الكعبة المشرفة، وهو أول بيت وضع للعبادة، شيَّده سيدنا آدم بأمر من الله ليصلي فيه مع أبنائه وذريته، ويذكر البعض أن اسم "بكة"، لفظ مصري قديم، ينطق "با كا"، ويعني البيت المقدس، أو المكان الروحاني، أو مقر النفس حيث تتلاقى الأرواح مع أنفسهم الارضية، أما الروح فسماوية، فتنعم بالهدوء والطمأنينة، حيث الكعبة المشرفة، التى بناها آدم أبو البشرية، ويذهب اخرون أن ابناء مصر هم من اتم بناءها بعد ان رفع إبراهيم وإسماعيل قواعدها بالشكل المربع الذي يمثل كلمة، بكة، مثلما اعتاد المصري القديم على إقامة معابده، لعبادة الإله الواحد. رادف القرآن الكريم بين لفظ بكة ومكة، لذا أكد بعض المؤرخين أنها كلمة واحدة بعد قلب الميم إلى باء، كما في لهجة قبيلة هوازن، أو لعلهما يتكاملان بحيث تعبر بكة عن الكعبة والمسجد، وتكون مكة فيما حوله من بطن الوادي، ويذكر المعجم الأثري أن مكة سميت كذلك لأنها "تمُكُّ الجبارين"، أي تُذهب نخوتهم، و"تمك الذنوب"، أي تمحو الذنوب، ويقال أيضا لازدحام الناس بها ولقلة مائها، كما يضاف إلى أوصافها، أم القرى، البلد الأمين، القادس، المقدسة، المكرمة، وأم الرحم وغيرها. كما سميت مكة بأمّ القرى، لأنها من أعظم القرى مكانة، وفيها بيت الله وهي مركز الأرض، لقول الله تعالى في سورة الأنعام: "وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا..."، كما ورد المعني نفسه في سورة الشورى: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ..." الاية، وسميت كذلك باسم "مَعَاد"ٍ، أي مكان الولادة وهي مكان ولادة سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، لقول الله تعالى في سورة القصص: "إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ...". وسميت كذلك بالبيت، وهو الكعبة المشرفة الذي بناه سيدنا آدم عليه السلام وتسمى بالبيت العتيق، أي البيت القديم، لقول الله تعالى في سورة البقرة: "وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا..."، وسميت مكة بالبلد الأمين، وهو البلد الآمن الذي لا يدخله الجبارون وآمن من الحروب وهو المكان الآمن ومحرم على الدجال دخوله، لقول الله تعالى في سورة التين: "وهذا البلد الأمين".