توثق الكاتبة العمانية شريفة التوبي في روايتها الأخيرة "البيرق"واقع المجتمع العماني في خمسينات القرن الماضي من خلال حكاية "حارة الوادي" التي وقعت أحداثها في تلك الحقبة من القرن الماضي. ولأن هذه الحكاية لم تُذكر في كتب التاريخ، فقد نسجت الروائية خيوطها في خيالها، وقدمت أبطالها برؤية سردية أضاءت المناطق المعتمة في الحكاية، مازجةً الواقع بالخيال الفني الذي يحقق للقارئ متعته.وجاءت الرواية التي تقع 432 صفحة من القطع المتوسط وأصدرتها دار"الآن ناشرون وموزعون" في عمان ، بغلاف من أعمال الفنانة العُمانية بدور الريامي ووجهت المؤلفة إهداءها قائلة إلى: "علي بن حمد ... في زمن كانت فيه الشجاعة رجلا يقال له ولد جريدة".وتغوص الرواية في وصف الشخصيات من الجوانب كافة، فلم تغفل الكاتبة التفاصيل الداخلية والخلجات النفسية لكل شخصية، كما اهتمت في الوقت نفسه بالسياقات العامة: الاجتماعية والبيئية والإنسانية التي شكَّلت هذه الشخصيات، ما جعل الرواية عملا أدبيا متكاملا يجسّد الحياة العُمانية بسماتها العامة، وتمتلك فيه الشخصيات حرية التعبيرعن نفسها ورؤاها.وترسم الرواية ملامح شخصية البطل "ناصر" في تمازج بين العام والخاص، حيث تقول في مشهد من مشاهدها السردية"نشأ ناصر مُهاب المكانة بين قومه والقبائل الأخرى، لا يتلعثم إذا تحدّث،ولا يتردد إذا اتخذ قراراً، يستشيرونه في أمورهم، ولا يخالفون له رأياً، لأنّه ذو رأي حاسم،لا يجامل في الحق، ولا يجادل في سفاسف الأمور، كريماً سَمْحاً، لا يرد سائلاً ولا يغلق باباً في وجه فقيرٍ أو محتاج...واكتسبت قبيلته بفضل شجاعته وحكمته صيتاً بين القبائل". وترسم التوبي في مكان آخر من روايتها ملامح العجوز "صبيحة"، إحدى الشخصيات الشعبية القادمة من عمق المجتمع العُماني، قائلة: "يقول أهل الحارة إنّها امرأة مكشوف عنها الحجاب، وترى ما لا يرونه،فهي حافظة للقرآن، وعارفة بكثير من العلوم، ومعالِجة للأمراض، ومولِّدة لكثير من نساءالحارة؛ وقد أرضعت "صالح" كما أرضعت غيره ممن كانوا في مثل عمره، ففي تلك الأيام التي ولد فيها صالح توفي ابنُها الرضيع، فكانت تذهب إلى البيوت وترضع كلّ طفل تجده باكياً أو جائعاً، وخصوصاً أبناء النساء اللواتي يذهبن إلى الفلاة أو الضواحي،وقد كانت تفعل ذلك دون مقابل أو أجر، حتى أصبح معظم شباب الحارة أبناءهابالرضاعة".وتتابع الكاتبة رسم المشهد بقولها: "مات أطفالها جميعاً في سنّ صغيرة، ومات زوجها بعد أن لدغته أفعى سامّة وهو ذاهب إلى الفلاة، وبعد موت زوجها أتى أخوها وأراد أنيأخذها لتعيش معه، لكنّها رفضت وأصرّت أن تبقى في بيتها قائلة له: إنها بين أهلها وجيرانها، وستحيا وتموت في هذه الحارة التي أحبّتها وأحبّها أهلها وحفظت دروبها".وقدمت الرواية وصفاً لطبيعة الحياة الشعبية وتفاصيل العلاقات الاجتماعية بين الناس،فنقرأ في أحد المقاطع: "يطيب لرجال الحارة الذهاب إلى السوق، ليس للشراء فقط، وإنما للجلوس وتبادل الأحاديث على مصطبة طويلة مبنيّة بمحاذاة الجدار الذي يفصل ضاحية مرهون عن السوق، توقّع حمدان أنّه لن يعثر على السمك طازجاً، لكنّه سيبحث،وماذا سيضرّه أن يبحث، فخديجة تريد سمكاً، فكان كلّما مرّ على دكّان من الدكاكينيضحكون على طلبه الذي أتى في غير وقته".وتصف الكاتبة في مقطع آخر إحدى الأكلات العمانية، فتقول: "طبخت خديجة ذلك اليوم مرق سمك وأضافت له الليمون وقليلاً من الفلفل وطبخت معه عيش مشخول من عيش "بوقضمة" الذي اشتراه صالح حين عاد في المرة الأولى بعد انتقالهم إلى بيتهم الجديد".وكتب إبراهيم بن أحمد الصلتي مشيدا بالكاتبة، قائلاً: "ستكون الروائية شريفة التوبي عندي بمثابة التشيلية إيزابيل الليندي صاحبة "سفينة نيرودا" و"بيت الأرواح" و"ابنة الحظ" و"باولا" والعديد من الروايات الخالدة.يذكر أن هذه الرواية هي الإصدار الثاني لشريفة التوبي في مجال الرواية بعد "سجين الزرقة" التي صدرت عن "الآن ناشرون وموزعون" أيضاً في طبعتين خلال عامي 2021 و2021، وفازت بجائزة الإبداع الثقافي لأفضل الإصدارات لعام 2021 في عمان.وصدر لشريفة التوبي إضافة إلى هاتين الروايتين ستة كتب في المقالات والقصص والنصوص والرسائل هي: "المقعد شاغر"، و"في قلبي شجرة"، و"نثار"، و"انعكاس"،و"سُعاد.. رسائل لم تصل"، و"عين السواد".