الجمعة 01 مايو 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

العصر الجديد

Time
الثلاثاء 18 أغسطس 2020
السياسة
د. ميشال الشمّاعي

تدخل منطقة الشرق الأوسط برمّتها حقبة جديدة عمادها إنهاء الصراع العربي- الاسرائيلي على قواعد التطبيع وصولا إلى السلام، مع العمل على خلق فوضى منظّمة وصولا إلى رضوخ الدّول المتعدّدة الاثنيّات، لا سيّما الطائفيّة.
فالعالم العربي من المحيط إلى الخليج لا يخلو من الصراعات، لكنّ النماذج العربيّة التي ابتعدت عن هذه النزاعات عرفت ازدهارًا وتقدّمًا لا مثيل لهما. ولبنان في الفترة التي امتدّت من الاستقلال حتّى العام 1969 كان بكلّ ما للكلمة من معنى "سويسرا الشرق". إضافة إلى ذلك، يبقى نموذج الدّول العربيّة التي نأت بنفسها عن هذا الصراع دليلا إضافيًّا من الرّقي والتقدّم. فأين لبنان اليوم من ماضيه المزدهر والناصع، وأين الدّول العربيّة من حاضرها؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ موقع لبنان الجغرافي قد جعله ذا تأثّر جيوبوليتيكي لم يسمح له أن ينعم بفترات طويلة من الاستقرار. فمن جنوبه عدوّ ودود، ومن شرقه وشماله صديق لدود. والمفارقة أنّ العدو لم يتوانَ للحظة عن التودّد من لبنان، لا سيّما في هذا الظرف الحرج، حيث انتشر، على سبيل المثال، لا الحصر فيديو لإسرائيليّين يبدون تعاطفهم مع الشعب اللبناني في ما أصابهم بانفجار مرفأ بيروت في الرابع من اغسطس الجاري.
بينما لم يوفّر الصديق اللدود أي جهد للتنكيل باللبنانيين منذ بداية الحرب في العام 1975 حتى 26 ابريل 2005 تاريخ خروجه من لبنان.
والمفارقة أنّه يرفض حتّى اليوم الاعتراف بأكثر من 650 معتقلا لبنانيّا ما زالوا مجهولي المصير في سجون نظام البعث السوري المجرم بحقّ شعبه، وبحق الشعب اللبناني على السواء.
لذلك، على لبنان العودة بنفسه إلى فترة ما قبل "اتّفاق القاهرة" 1969 حيث وضع نفسه بضغط من منظّمة التحرير الفلسطينيّة في صلب القضيّة الفلسطينيّة–الاسرائيليّة. والمقصود بذلك استعادة الـ"ستاتيكو" الذي حكم تاريخ لبنان منذ العام 1943 وحتّى العام 1969 حيث عرف لبنان بحياده، وقتذاك. واليوم، لقد أخذت البطريركيّة المارونيّة على عاتقها إعلان مشروع لبنان المحايد لإنهاء معضلة انخراط بعض اللبنانيين في لعبة صراع المحاور، ولاستعادة لبنان من فم الأسد، والعودة إلى سنيّ الازدهار التي عرفها في تاريخه القريب والبعيد.
فبتطبيق الحياد الفاعل والناشط والايجابي والقوي يستطيع لبنان أن يؤدي دوره كرسالة لأوطان هذه الدنيا. ويستطيع أن يكون المنطلَق الأممي للقضيّة الفلسطينيّة فيحملها من دون أن تؤثّر به، ويوصلها إلى حيثما يجب أن تصل.
بذلك كلّه فقط، يُبطِلُ اللبنانيّون مفهوم" لبنان الساحة" لتبادل الرّسائل وتصفية الحسابات الاقليميّة. فعلى ما يبدو أنّ التسويات التي يقودها اليوم الرّئيس الأميركي دونالد ترامب ستستثني لبنان؛ لأنّه إن عُقدت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأميركيّة، وستعقد، لن يكون لبنان جائزة الترضية لإيران. وما الزيارات الأمميّة إلى لبنان على أثر النكبة التي ألمّت به، من زيارة الرئيس الفرنسي ووزيرة دفاعه، إلى زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيل، حتّى زيارة وزير الخارجيّة الايراني جواد ظريف، سوى مؤشّر لمدى اهتمام المجتمع الدّولي بإعادة الدّور الذي كان يؤديه لبنان في ماضيه القريب. ومن يزر منطقة عوكر اللبنانيّة ويعاين منشآت السفارة الأميركيّة التي هي قيد الانشاء، يدرك مدى الاهتمام الأميركي بلبنان.
مقابل ذلك، شهدنا في الأيام القليلة الماضية على أبرز حدث في العالم على ضوء القرار الإماراتي في مباشرة العلاقات الاعتياديّة مع إسرائيل للمحافظة على فرص حلّ الدولتين. وممّا لا شكّ فيه أنّ الرئيس الأميركي قد نجح في إطلاق ديناميّة جديدة للسلام في الشرق الأوسط، لم يبدأها من ركني الصراع، بل بدأها من"حليفيه القويين اقتصاديًّا والمتقدّمَين" أي إسرائيل والامارات، وفق تعبير مستشاره الدكتور وليد فارس.
مقابل ذلك استطاعت الامارات العربيّة المتحدة بخطوتها هذه أن تجمّد القرار الاسرائيلي بضمّ الأراضي الفلسطينيّة، ما يعني ذلك أنّ المنطقة برمّتها ستحذو حذوها، لكن لتحقيق هذه الغاية لا بدّ من الانتهاء من الأذرع الايرانيّة التي تغلغلت في المنطقة، وأجّجت هذا الصراع لتحفظ موطئًا لإيران على الشاطئ الشرقي للمتوسّط.
من البديهي أنّ هذا الحلم الايراني سينتهي لأنّ القرار بتفعيل مبادرات السلام قد اتّخذ. ولعلّ ما شهدته المنطقة من مبادرات سياسية، ومحطات في اتّفاقيّات السلام، منذ" كامب ديفيد" إلى" وادي عربة"، و"مدريد"، و"أوسلو"، و"واي ريفر"، و"أنابوليس" وغيرها، ستشكّل اليوم منطلَقًا جديدًا قوامه تجميد إسرائيل ضم الأراضي الفلسطينية، ممّا سيعطي فرصة جديدة لإحياء السلام على قاعدة الدّولتين. فهل ستسقط حركات المقاومة في العالم العربي لتحلّ محلّها اتّفاقيّات هدنة، أو لتفعيل السابقة منها بالحدّ الأدنى، وسلام بالحدّ الأقصى، وهل دخلنا في العصر الجديد؟

استاذ جامعي لبناني
[email protected]
آخر الأخبار