د. سالم الكتبياعتراف رئيسة وزراء فنلندا سانا مارين بأن "أوروبا ليست قوية بما يكفي للتصدي للغزو الروسي لأوكرانيا دون دعم من الولايات المتحدة"، يبدو لافتاً بالنسبة الى بعض المراقبين، رغم أنه يمثل حقيقة. رئيسة وزراء فنلندا، التي تنتظر بلادها البت في طلبها الانضمام إلى حلف الـ"ناتو"، استبقت تصريحها بالقول إنها يجب أن تكون "صريحة بشكل كبير"، وأن أوروبا يمكن أن تقع في "ورطة" من دون الولايات المتحدة.المسألة هنا لا ترتبط بالتقديرات الإحصائية، أو المقارنات الكمّية، فالولايات المتحدة قدمت منذ بدء الحرب في أوكرانيا نحو 5.18 مليار دولار دعماً لكييف، ناهيك عن الدعم الاستخباري والمعلوماتي والسياسي أيضاً، وهذه المساعدات تفوق مجمل المساعدات التي قدمتها الدول الأوروبية بأكملها لأوكرانيا، إذ يفترض أن يكون الاتحاد الأوروبي قد قدم حتى نهاية العام الجاري نحو 2.7 مليار يورو نقداً، فيما لايزال يدرس آلية جديدة لدعم أوكرانيا مالياً بعد التباطؤ الواضح في الوفاء بالتعهدات التي سبق الإعلان عنها بداية العام.المعضلة ليست في ما مضى فقطـ، بل تكمن أيضاً في ما هو آت إذ تحتاج أوكرانيا خلال العام المقبل إلى نحو 38 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم أعلنت إدارة الرئيس بايدن استعدادها لتغطية نصفه، بينما لايزال الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى الموافقة على ثلاثة مليارات يورو من حزمة مساعدات بقيمة تسعة مليارات وُعدت بها أوكرانيا في مايو الماضي.كما لاتزال أوروبا تناقش صياغة خطة مساعدة، وصرف الأموال لها، يختلف أعضاء الاتحاد حول ما إذا كانت المساعدة على شكل منح أو قروض ميسرة، وأيضاً بشأن الضمانات التي يجب أن تتوافر للاقتراض.المعضلة الأوروبية لا تقتصر على تقديم الأموال، سواء كانت منحاً أو قروضاً، بل تشمل أيضاً تراجع القدرة على تقديم الدعم العسكري، إذ تؤكد التقارير تراجع مخزونات الأسلحة بسبب سحب كميات كبيرة منها لتقديمها لأوكرانيا، ما يعني أن هناك حاجة أوروبية ملحَّة لإعادة بناء القدرات الدفاعية، وتشجيع الصناعات المرتبطة بهذا القطاع؛ لتلبية الاحتياجات في وقت تعاني فيها دول القارة من أزمة طاقة ناجمة عن الحرب، وانقطاع إمدادات الغاز الروسية.
هذه المعضلة ليست وليدة حرب أوكرانيا، فالجميع يذكر النقاشات الحادة بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب والقادة الأوروبيين بشأن مخصصات الدفاع الأوروبية، اذ يلاحظ أن الولايات المتحدة قد أنفقت نحو 3.7 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020 على ميزانية الدفاع، في حين بلغت هذه النسبة لدى بقية أعضاء حلف الـ"ناتو" نحو 1.77 في المئة فقط.صحيح أن هناك ما يمكن وصفه باستفاقة أوروبية للاهتمام بالإنفاق الدفاعي عقب حرب أوكرانيا، فقد أعلنت ألمانيا تخصيص نحو 113 مليار دولار إضافية لميزانية الدفاع، وتتجه لرفع مساهمتها في ميزانية الـ"ناتو" إلى 2 في المئة من الدخل القومي، وهناك توجه بريطاني لزيادة مخصصات الإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.2 في المئة قبل نهاية العقد الحالي، لكن تبقى هذه الأرقام بحاجة إلى وقت تحققها فعلياً على أرض الواقع.مُعضلة الـ"ناتو" تكمن أساساً في ضعف مساهمات الأعضاء في ميزانية الحلف، الذي يعتمد بشكل كبير على الدعم الأميركي، فيما يحتاج إلى أن تصل مساهمات جميع دوله إلى 2في المئة من الناتج المحلي الإجمالي كحد أدنى، لتعزيز الجاهزية العسكرية، وهو مطلب بعيد المنال جراء عدم قدرة بعض الأعضاء على الوفاء به، ناهيك عن عدم قناعة البعض بوجود حاجة فعلية لذلك.محصلة هذه السجالات تنعكس في مواقف الحلف وسياساته حيال الأزمات والقضايا المختلفة، وبخاصة أزمة أوكرانيا، فقد لاحظ الجميع في أزمة سقوط صاروخين روسيين في قرية بولندية الشهر الماضي، مدى ارتهان الحلف للقرار الأميركي، فبمجرد إعلان واشنطن أن الصاروخين لم ينطلقا من روسيا والتوجه نحو احتواء الأزمة تراجع أعضاء الحلف عن مواقفهم التي اتسمت بقدر كبير من التصعيد ضد روسيا على خلفية الحادثة، وعاد الجميع للحديث بلغة واحدة وأن الصاروخ أوكراني.مجمل هذه الشواهد تؤكد أن الموقف الفنلندي، الذي يتسم بقدر عال من الصراحة، ليس سوى انعكاس لحقيقة التأثير والدور الأميركي في حلف الـ"ناتو"، ما يعني استمرار الارتباط العضوي خلال المدى المنظور على أقل التقديرات بين واشنطن وحلفائها الأطلسيين، وصعوبة انسلاخ هؤلاء الحلفاء عن النفوذ الأميركي، أو حتى الحد منه.كاتب إماراتي