كتب ـ أحمد الجارالله:مَن يتأمل واقعنا العربي، وكل هذا الخراب يدرك أن ثمة خطايا تُرتكب في حق الشعوب، أهمها إقفال أبواب ونوافذ مؤسسات الحكم، والإصغاء إلى أصوات كتبة التقارير فقط، الذين يفسرون أحلامهم في التقرب من الحكام عبرها، فلا ينقلون مآسي الناس وأنينهم، ما دفع التصحر الإنساني للزحف على العالم العربي.سبب ذلك هو أن من يُفترض بهم العدل في الحكم، لم يعتبروا من ملك خوزستان الهرمزان لمّا جيء به أسيراً إلى الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فوجده الحراس والأسير نائماً في المسجد متوسداً درّته، ولما رآه الهرمزان قال: "والله هذا الملك الهنيّ، عدلتَ فأمنت فنمت، والله إني خدمت أربعة من ملوكنا الأكاسرة أصحاب التيجان فما هِبتُ أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة".ليست هذه هي الحادثة الوحيدة المروية عن خلفاء وملوك تواضعوا وعاشوا بين الناس، فحكموا بالعدل، فثمة قصة عن الملك فاروق.ففي أحد الأيام كان في طريقه إلى "تفتيش أنشاص" بسيارة خاصة من غير سيارات القصر المعروفة، وكان سائقه الى جواره فأوقفته امرأة ريفية حملت طفلها على كتفها ووضعت قُفة على رأسها، ظناً منها أنها سيارة أجرة، فسألها الملك عما تريد فأجابت المرأة: "انت رايح أنشاص يا ابني"؟ أجابها بالإيجاب، فقالت: "توصلني لغاية تفتيش الملك بكام"؟ فقال: "عاوزة تدفعي كام؟".أجابت المرأة: "والنبي ما معاية غير تلاتة تعريفة، خدهم ووصلني". فأشار للسائق أن يجلس بالمقعد الخلفي وقال لها: "ادخلي يا ست".في الطريق فهم فاروق من المرأة أنها تقصد "تفتيش أنشاص" لترجو ناظره أن يؤجل بيع جاموستها المحجوزة لتأخرها بدفع إيجار الفدان، وأنها ستعطيه جنيهاً على الحساب لحين سداد الباقي، فأخذت الشفقة الملك وقال لها: "اسمعي، خدي الورقة دي واديها للناظر وهو يسيب لك الفلوس المتأخرة كلها". كتب أمراً على ورقة بيضاء ووقعها وأعطاها للمرأة المسكينة التي لم تكن تعرفه، فترددت بأخذها، وقالت: "يا ما يا سيدي جبت له وسايط، هو ده بيقبل رجا حد؟ وفر يا ابني على نفسك الورقة وبلاش كسوف".فأصرّ على إعطائها الورقة وأرفقها بعشرة جنيهات: "خدي العشرة جنيه دول ادفعي منها الإيجار وادي الناظر الورقة". بهتت المرأة وقالت: "ولما انت يا ابني غني كده ليه بتشتغل سواق أمال؟".أجابها الملك على الفور: "القسمة كده"!أنزل الملك المرأة قبل التفتيش من دون أن تعرف هويته، إلا عندما أعطت الورقة للناظر، وقصّت عليه الحكاية، فعرّفها بجميل الملك فاروق، وعندها انطلق لسانها بالدعاء له من قلبها.خليجياً، ثمة دروس كثيرة عن تواضع الحكام وقربهم من شعوبهم، ومنها أنه لولا المجالس المفتوحة التي رسخها مؤسس المملكة العربية السعودية، المغفور له، الملك عبدالعزيز، لما قامت هذه الدولة القوية المترامية الأطراف، ولو لم تكن تلك المجالس موجودة في عهود أسلافه، ربما لم تصل السعودية الى ما وصلت إليه.بهذه المناسبة، أذكر حواري مع المغفور له، الملك فيصل بن عبدالعزيز، في ستينات القرن الماضي، وكان من بين الحضور الأمير عبدالله (الملك لاحقاً) والأمير خالد، يومها سألته كيف ترد على اتهام جمال عبدالناصر لكم أنكم دولة رجعية؟قال: "يا ابني لو عملنا مثل ما تفعلون في بلادكم، أي انتخاب مجلس نواب، لكان سيحكم المملكة صاحب مال، أو صاحب جاه قبلي".وأضاف: "أليس عندكم، وكما تقول الأخبار، من يشتري أصوات الناخبين، وبالتالي لا يعمل وفق الأمانة التي حملها، إنما يسعى إلى التربح من المنصب؟ بينما برلماننا هو المجالس المفتوحة التي يفد إليه الناس من كل حدب وصوب، ونستمع الى شكاواهم ونعمل على حل مشكلاتهم، وكل واحد منهم يعي دوره".كذلك الأمر في دولة الإمارات، حيث لم يكن المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، يغلقان أبوابهما أمام أبناء بلدهما، بل إن حكام الإمارات كافة استنوا سنة حميدة وهي سياسة الأبواب المفتوحة، وعلى هذا الطريق سار الشيخ محمد بن راشد والشيخ محمد بن زايد، والشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وغيرهم من حكام الدولة الذين تجدهم بين الناس دائماً، يستمعون لهم، ويطلعون على أحوالهم.كذلك في البحرين حيث في إحدى زياراتي إليها، ذهبت إلى لقاء المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وكان معي سائق بحريني، تفاجأت حين وصلنا أن أمير البلاد كان عند بوابة منزله في استقبالي، وبعد السلام عليه، سأل السائق من يكون، فقال له إنه فلان ابن فلان، فسأله الأمير عن أحواله، فقال السائق إنه سيتزوج بعد أيام، حينها قال له الشيخ عيسى، رحمه الله: "إني انتظرك غداً صباحاً هنا في منزلي"، وعرفت بعدها أن الشيخ منح السائق عشرة آلاف دينار معونة من أجل الزواج.في هذا الشأن، لم تكن الكويت في بداية عهد المغفور له الشيخ جابر الأحمد، بعيدة عن ذلك إذ كان أمير البلاد حينها يخرج إلى الناس متلثماً، يذهب إلى الأسواق، بمفرده، بلا حراسة أو مرافقين، ومما يذكر عنه انه في أحد الأيام كان بسيارته هو وزوجته فقط، وكان متلثماً، فأوقفه شرطي مرور، وطلب منه رخصته، فاستفسر سموه عن السبب، قال الشرطي: "لقد تجازوت السرعة المسموحة في هذا الشارع"، فقال له الشيخ جابر، رحمه الله: "لم أكن مسرعاً"، إلا أن الشرطي خرج عن نطاق مسؤوليته، حين سأله عن المرأة التي إلى جانبه، حينها أماط الشيخ جابر اللثام، فعرف الشرطي هويته، وفي اليوم التالي عُوقب على خروجه عن حدود الأدب واللياقة المفروضة برجال الشرطة.هؤلاء الحكام هم الذين أسسوا لدول مستقرة وقوية، وشعوب متسامحة، على العكس من أخرى كانت أكثر قوة إلا أنها افتقدت العلاقة المباشرة بين الحكام والناس، ومنها إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي.قبل أيام شاهدت فيديو للأمير تميم بن حمد، يترجل من سيارته ويخلع عقاله ويلاعب أطفالاً كرة قدم في الشارع، ومما لا شك فيه أن هؤلاء سيتذكرون دائماً أن أميرهم لعب يوماً معهم، وكان قريباً منهم، على العكس من الوجوه العابسة والمتمصلحين الذي كانوا يحكمون قطر قبله.كل هذه الشواهد رسختها تقاليد وعادات معمول بها في الإقليم منذ مجيء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتلك القوة الإيمانية الكبيرة التي ترسخت بين الناس بفضل اتصاله المباشر معهم، إذ لم يقفل بابه يوماً بوجه أحد من المسلمين، وهو ما سار عليه الخلفاء الراشدون من بعده.لا شك أن الدروس الكثيرة التي يمكن أن تشكل منهج حكم رشيد في العالم العربي لا بد أن تسير على النهج السياسي الراسخ في التاريخ، وهو أن أفضل الحكام الديكتاتور المستنير، والمستبد العادل، الذي يبقى على تواصل دائم مع الناس، لأن ذلك يساعد على استقرار الممالك فتمضي في طريق التطور من دون أي معوقات، أو استغلال لديمقراطية مشوهة تعطل تنميتها، وتفقر شعبها.