يوسف مبارك المباركيتوقف قلب الراحلة اليزابيث يوم 8 سبتمبر الجاري، فخيم الحزن انحاء المملكة وتوافد الناس على قصر باكنغهام يضعون الورد والبعض الاخر يجهش بالبكاء من فرط حبهم للملكة التي اعتلت عرش المملكة المتحدة في العام 1952. وفي حياة هذه الملكة الأطول حكما بين ملوك بريطانيا، وأطولهم جلوساً على العرش، ذكريات حافلة بتغييرات دستورية كبرى أهمها ما شهدته في ستينات وسبعينات القرن الماضي حين منحت بريطانيا العظمي 20 من مستعمراتها الاستقلال لتصبح بذلك دولا مؤثرة على الخريطة العالمية. ويُحسب لهذه الملكة، وفق رواية اللورد مونباتن معارضتها للمحاولة البريطانية والفرنسية والإسرائيلية لاحتلال قناة السويس في العام 1956، أي أن عهد هذه الملكة شهد عملياً ترسيخ علاقات مختلفة لبريطانيا بدول العالم، انعكس داخليا باكتساب النظام الملكي دعماً شعبياً، وخارجيا بما بدأت تحظى به بلادها في أوساط الشعوب، حتى ما كان منها خاضعا لإدارتها الاستعمارية «دول الكومنولث» في أفريقيا وآسيا والبحر الكاريبي، بل واكتسب شخص هذه الملكة قبولا شعبيا قويا واسعا بين رعاياها. وان كان من المشهور القول قديماً في وصف بريطانيا كمملكة متحدة أنها الإمبراطورية التي لا تغيب عن أملاكها الشمس، فمن الممكن وصفها الآن، وفي ظل هذه الملكة ذات الظل الممتد طوال أكثر من سبعة عقود، بأنها المملكة التي لم تغب عنها شمس فضائل عهدها الملكي حتى الآن، مثلما غابت عهود ملكية في إمبراطوريات ودول أخرى افتقرت إلى سوية الفضائل والاستقرار، سواء تلك التي سبقت وجودها أو تلك التي تزامن وجودها معها. وفي حساب الأسباب والنتائج التي أعطت المملكة المتحدة هذا الطابع، يمكن الإشارة بالطبع إلى تميز النظام الدستوري البريطاني في تحوله منذ أزمان غارقة في القدم نحو نظام ديموقراطي حفظ لفئات الشعب المختلفة مكانتها وحقوقها من جانب، وحفظ للأسرة المالكة مكانتها وحقوقها في الجانب الآخر، فازداد رسوخاً وتمكناً، ولكن لا يمكن إغفال السمات الشخصية لعدد من ملوكها، وخاصة في القرن الماضي، التي أضفت على هذا النظام ملامح أكثر إنسانية، ومحت ما شاب النظام الملكي من أوشاب في عصور أقدم. وفي هذا الإطار تحتل الملكة اليزابيث الثانية، مكانة ذات شأن، ليس فقط بسبب الشعبية التي تحظى بها في بلدها، وفي البلدان الكثيرة التي حرصت على زيارتها على غير عادة ما سبقها من ملوك، بل وأيضاً بسبب مواقف تميزت بها مثل موقفها من مغامرة احتلال قناة السويس وكذلك احتلال العراق للكويت عام 1990 التي تصدت بكل حزم على هذا العدوان كما ألقت عدة خطابات تدعو للسلام، وعلاقاتها الشخصية بالكثير من رؤساء الدول الذين حفظوا للملكة وعهدها أصدق آيات الود والاحترام. وبهذه المناسبة الأليمة أتقدم بالتعازي للأسرة المالكة والشعب البريطاني الصديق وسفيرة المملكة المتحدة لدى الكويت سعادة بيلندا لويس، كما نبارك لجلالة الملك تشارلز علي اعتلاء العرش متمنين له التوفيق والسداد في تعزيز السلام العالمي الذي تعصف به أمواج المصالح الدولية، آملين أن تترسخ علاقاتنا بالمملكة المتحدة مثلما كانت على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة التي تخدم الطرفين، الكويتي والبريطاني، ولا نجاة لهذا الطرف أو ذاك إلا بصدق المعاملة والنيات المخلصة، وان تبقي المملكة المتحدة قبلة المظلومين والمضطهدين في بلدانهم لوجود نسائم الحرية التي تنعم بها بلد الضباب واحترام الانسان كانسان في ظل القمع والتشريد واحكام السجن الجائرة ليس لاقتراف أصحابها جريمة وإنما عبروا عن رأيهم الحر وحملوا فكرا مستنيرا اصطدم في ظل عقلية عصور الظلام التي يعيشون فيها وكل راي مخالف يعتبر جريمة، فكانت المملكة المتحدة هي أرض السلام والملاذ الآمن لهم.كاتب كويتي
[email protected]