كتبت ـ نورا حافظ:رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رسموا بجهادهم وصبرهم معالم الحضارة الإسلامية، فتحوا البلدان، ونشروا الإسلام، وأقاموا العمران، فسجل التاريخ جهادهم وكفاحهم بحروف من ذهب، وأصبحوا قدوة ومثل لكل من يأتي بعدهم. اتجهت أنظار خليفة رسول الله أبو بكر الصديق إلى فتح الشام لنشر الدعوة وتأمين الحدود الشمالية من ناحية، وتهيئة مناخ آمن لمعتنقي الإسلام من ناحية أخرى، وكانت سياسته وسياسة الخلفاء الراشدين عامة هي البدء بالسلم وإبرام المعاهدات وإن فشلت فالحرب، كان الشام بأقسامه الإدارية المعروفة اليوم "سورية وفلسطين والأردن ولبنان" تحت سيطرة دولة الروم الشرقية وعاصمتها بيزنطة وهي اسطنبول حاليا - وكانت سياستهم إقامة أحلاف مع القبائل العربية القوية التي تعيش في تلك البقعة لحمايتهم من أي هجمات تأتي من بدو الجزيرة، واقتصرت مهمة الفرق العسكرية الرومية على دعم تلك القبائل حين الحاجة، الا ان تنامي قوة المسلمين واتجاههم لخارج حدودهم قد نّبه الروم الى ضرورة تكثيف دعمهم لتلك القبائل ومضاعفة اعداد الجنود منذ وقت مبكر.
وعندما علم هرقل بنية أبو بكر استرداد الشام، اجتمع مع مستشاريه واستقر الرأي على مقاومة المسلمين، وكان للروم جيشان كبيران الأول في فلسطين، والثاني في أنطاكية التي تتبع تركيا حاليا، وفي المقابل كلف أبو بكر أربعة جيوش لإتمام المهمة، الأول بقيادة يزيد بن سفيان وهدفه دمشق، والثاني بقيادة شرحبيل بن حسنة وهدفه بصرى بالقرب من درعا، والثالث يقوده أبو عبيدة بن الجراح الى حمص، والرابع بقيادة عمرو بن العاص اتجه الى فلسطين، وأبقى بالمدينة جيشا احتياطيا لمواجهة الطوارئ، وقد أوصاهم جميعا بالبدء بالسلام والإحسان إلى أهل تلك البلاد، ومن هذا التقسيم تتضح عبقرية الصديق، فمن الاستحالة بمكان تعيين قائد واحد لترامي الأطراف وتعدد الأهداف وصعوبة الاتصال، وبخاصة أن الجيوش الرومية كانت عظيمة العدد والعتاد، على عكس عدد جيوش المسلمين. وفي عام 12 هـ اصطدم يزيد بجيش صغير للروم فى مؤاب شمال الكرك الأردنية حاليا وانتصر عليه، فتحصن احد جيوش الروم في دميثة قرب غزة، ولم يصمدوا اما الزحف الإسلامي، ما عزز روحهم المعنوية الى ان بلغوا مشارف دمشق، أما شرحبيل فقد تابع إلى البلقاء شمال غرب الأردن حيث لم يجد مقاومة تذكر، فتابع إلى بصرى، وكانت شديدة التحصين فحاصرها دون جدوى، أما عمرو بن العاص فتابع تقدمه بمحاذاة ساحل البحر الأحمر حتى وادي عربة ولم تصمد امامه الحاميات الرومية، فأعاد الروم تنظيم صفوفهم وزادوا من تحصيناتهم وقتالهم الشرس مع المسلمين، بعد ان انهال عليهم هرقل بالوعود السخية في حالة الانتصار، فأرسل القادة إلى أبي بكر لطلب المدد والمشورة، فأمرهم بالتجمع قرب بصرى تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح، وأمر خالد بن الوليد أن يستخلف قائدا على جيش العراق، وينطلق من فوره بجزء من الجيش إلى الشام، لتوحيد الصفوف وقيادة الجيش مكتملا، اجتاز خالد وجنوده طريقا وعرا في الصحراء يفصل بين العراق والشام ليصل في زمن قياسي ادهش الروم. كانت معركة قاسية بدأت تدور بين المسلمين والروم في بصرى، ومالت المعركة لصالح الروم وحاولوا تطويق المسلمين، وكادوا يحققون هدفهم لولا أن اقتحم خالد وجيشه الميدان بغتة بأصواتهم المزلزلة، وتسلم القيادة فعاد الحماسة للمسلمين وقاتلوا بضراوة، ليدب الرعب في صفوف الروم الرعب، ثم حملوا عليهم وقاموا بهجوم شامل ليهزم الروم شر هزيمة، فاستسلموا وصالحوا خالد على الجزية، وكانت بصرى أولى فتوحات المسلمين الكبيرة في الشام لتنطلق الفتوحات منتصرة رافعة رايات الإسلام خفاقة.