علي باجي المحيني العنزيعندما تحل علينا ذكرى تحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم، يصاحبها المشهد كاملاً بشخوصه وظروفه ومعطياته، وتبقى الصورة ماثلة أمام من عايش تلك الفترة، ومن اغسطس 1990 وحتى يوم التحرير 26 فبراير كان لي شرف الانضمام الى لواء الشهيد المدرع، ولم ابارح صحراء السعودية حتى دخلنا الكويت فاتحين مُحررين بعد إرادة الله سبحانه وتعالى وعون الاشقاء والاصدقاء.ولاشك أن لكل حقبة ومرحلة من حياة الشعوب ومسيرة الأوطان نقاطا فاصلة وبصمات بعضها أبيض والبعض الآخر أسود، ومن يضع هذه البصمات هم في الأغلب ابناؤها. ونحن في هذا المقال سنعرج على الجانب المضيء من بصمات ابناء وطني، وبما أننا نعيش هذه الأيام الاحتفالات الخاصة بالاعياد الوطنية من تحرير واستقلال، تابعت التغطيات الاخبارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكصاحفي من الطراز الكلاسيكي اتابع الاخبار بأدق تفاصيلها وأبعادها، وحقيقة شعرت بإحباط إذ لم تعط وسائل إعلامنا رجالا كان لهم بصمة ايجابية وعلامة فارقة خلال غزو الكويت في العام 1990، وعلى رأسهم المرحوم بإذن الله رجل الأعمال خالد المرزوق.وقبل الاسترسال في هذا الشأن عن هذا الرجل فأنا لاأقصد بأنه منسي او مهمش، فقد ذُكرت مناقبه لكن على استحياء إن صح التعبير، فلم ألحظ سوى تغريدات عابرة بوسائل التواصل، وقد بحثت في الشبكة العنكبوتية عن سيرته فلم أجد ما يشبع فضولي عن سيرة هذا الرجل، وقد تكون هناك معلومات لم يسعفني الوقت للاطلاع عليها. استذكرت مواقف عدد من العمالقة خلال فترة الغزو، لكن استوقفتني مواقف خالد المرزوق رحمه الله، إذ ذُكر عنه بأنه التاجر الوحيد الذي لم يتخل عن الكويت في ذروة محنتها، وفي بداية الغزو في العام 1990 تبرع ب 100 مليون دولار للحكومة الكويتية في المهجر بعد تجميد اموالها،واصدر جريدة "الانباء" من القاهرة ووزعها بالمجان،وتبرع بعقاراته باسبانيا لاهل الكويت، وقام مصنع الزجاج في مصر وهو احد مشاريعه يرحمه الله بكفالة عدد من بيوت الاسر الكويتية في القاهرة اثناء الغزو الغاشم.
إن مثل هؤلاء الرجال الذين قرروا وبمحض ارادتهم أن يشغلوا انفسهم، وحملوا على عواتقهم عناء خدمة بلدهم في عز محنته، وتسخير ثروتهم وامكانياتهم لخدمة حكومتها وأهلها،يستحقون أن تنحت لهم تماثيل في أهم مناطق الكويت، ويخلد ذكراهم بأحرف من نور وماء من ذهب في تاريخ الكويت. ففي الوقت الذي حمل المرحوم خالد المرزوق راية التضحية بالوقت والجهد والمال، نجد البعض يخطط ويرسم وفي انشغال دائم في عملية الاستفادة، وتضخيم الثروات الشخصية بعد تحرير الكويت، واندحار القوات الغازية الغاشمة منها.والحقيقة هذه النماذج الوطنية الطيبة ذات المعدن الأصيل، والتي تركت اثراً وبصمة ايجابية في تاريخ وطنها، هي نوادر يُقتدى بصنيعها، فخالد المرزوق يرحمه الله بادر بشكل تلقائي ذاتي وبعيد عن التملق والنفاق واظهار الذات، وسخر كل مايملك لخدمة بلده ومواطنيه. رحم الله خالد المرزوق فهو أحسن في ذروة الاحتياج للاحسان وليس لنا سوى الاقتداء بكتاب الله الذي أرسى قواعد التعامل، إذ قال تعالى " هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ " ولانملك سوى الدعاء له بالرحمة، ونضرع الى الله أن يكافئه، ويثيبه على صنيعه ومعروفه.كاتب كويتي