اصطفى اللهُ من البشر رجالاً، هداهم إلى الحق، طهَّرهم وباركهم، وكلَّفهم بان يكونوا لأقرانهم مُبشرين ومُنذرين، ينقلون إليهم تعاليمه، ويبلغونهم بحلاله وحرامه، ولأنه تعالى عليم بذات الصدور، فقد زوَّدهم بقدرات خارقة لسنن الكون، وأيَّدهم بمواهب خاصة وعلامات تنطق بالقدرة المُطلقة لعلَّها تكون سبباً للتقوى والإيمان، وتلك هي معجزات الأنبياء.إعداد - علا نجيب:وهب الله تعالى نبيه داوود الحكمة والملك، وأنزل عليه الزبور، عُرف بين قوم اسرائيل بالذكاء والقوة، كما اشُتهر بسرعة البديهة والإلمام بأحكام القضاء والفصل بين المتخاصمين، اما اكبر معجزاته فكانت تسبيح الجبال والطير معه إضافة إلى مهارته في استخدام الحديد، حباه بصوت منغم، فكان اذا ترنم دانت له القلوب، وعندما كان يسبح بحمد الله ويقرأ في زبوره، تسمع الجبال والطيور قراءته العذبة فتتناغم معه وتردد تسبيحه، وورث ابنه سليمان تلك المعجزة وأتم مسيرة الاب في الملك والنبوة.
فإلى جانب النبوة آتاه الله الملك ومكّن له حكم مملكة اليهود في ذروة صعودها، لكن اليهود لا يقرون بنبوته ويرونه ملكا فقط ويضعون شعاره وهو النجمة - على وثائقهم وأعلامهم حتى اليوم، كما يتخذونه قدوة ومثلا للقوة والنفوذ، ويحلمون باستعادة امجاده الحربية، اذ توسعت مملكته وامتدت في عهد ابنه سليمان الى تخوم الشام، وتوفى - عليه السلام عن عمر يناهز "60 عاما" وقيل بل اتم المئة، وهو مما ورد في كتب اليهود ونقله عنهم المفسرون مثل الطبري وابن كثير الذي اورد ان ملكه دام 40 عاما وكان عظيما يحرسه اربعة آلاف من الجنود كل ليلة، وكان يحكم بشريعة التوراة جنبا الى جنب مع تعاليم الزبور التي لم يصلنا منها شيء، وقيل انها كانت تحتوي على قصص وعظات وأشعار باللغة الارامية.اكتسب داوود مكانة كبيرة في قومه عندما قتل جالوت ذلك الملك المتجبر بمقلاع حديدي بسيط صنعه بنفسه، إذ زوده بحجر من الأحجار الضخمة وقذفته يد الله فاستقر في منتصف جبهته ليسقطه ارضا ثم انقض عليه و نجح في قتله وفصل رأسه عن جسده في دهشة من القوم، قال تعالي"فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ".تولى داوود سدة الحكم، وبرع في حكم مملكة اسرائيل بحكمة وحسن تدبير، وآتاه الله القدرة على فهم لغة الطير والحيوانات، فأحبوه وكانوا يهيمون بصوته العذب، يقول تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ)، فقد أوتي صوتًا عذبًا لم يكن له مثيل في جماله وقوته، كما كان لديه منطقًا وقدرة على المناقشة والإقناع، وعندما كان يقرأ في الزبور كانت الطيور تتوقف عن طيرها كي تنصت وتسبح معه، حتى ذرات الجبال تعلقت هي الأخرى بذبذبات صوته أثناء تسبيحه كما يقول المفسرون، وكانت سيقان النباتات تنتصب عالية عند سماع صوته، وتعد تلك المعجزة خارقة لحدود البشر لم يصل إليها آدمي بعده إلا ابنه سليمان الذي ورث عنه هذه الموهبة.وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري قال: "يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود"، دلالة على عذوبة صوته وحلاوة منطقه، علاوة على بلوغه مرتبة عالية في القرب من ربه لدرجة فهمه لغة الطير وتسبيحها معه، وشفافيته مع المخلوقات حتى الجماد منها، وبالرغم من ملكه المتسع إلا أنه كان يقتات من صناعة الدروع الحديدية التي علّمها الله له، كما كان كثير الصدقات ويخرج أمواله ليعطيها لفقراء قومه، ومن الوقائع التي وردت عن تسبيح الحيوانات معه أنه خرج في أحد الأيام في الهواء الطلق وقال: "لأسبحن اليوم تسبيحًا ما سبحه به أحد من خلقه"، فنادته ضفدع من ساقية في داره: "يا داوود تفخر على الله عز وجل بتسبيحك وإن لي لسبعين سنة ما جف لساني من ذكره تعالى؟ فقال وكيف تذكرينه؟ قالت: يا مسبَّحا بكل لسان ومذكورا بكل مكان تبارك اسمك" فقال داوود في نفسه: وما عسى أن أقول أبلغ من هذا وانخرطا في ذكر الله معاً.