الأربعاء 29 أبريل 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأخيرة

رسالة إلى سُرّاق المال العام

Time
الخميس 13 أغسطس 2020
السياسة
محمد الفوزان

بعد مئة عام من الآن اي سنة 2120، سنكون جميعاً، مع أقاربنا وأصدقائنا، تحت الأرض، وسيكون مصيرنا الأبدي قد أصبح واضحاً جلياً أمام أعيننا، وسيسكن بيوتنا أناس غرباء، وسيؤدي أعمالنا ويمتلك أملاكنا أشخاص آخرون، لن يتذكروا شيئاً عنا،
فمن فينا يخطر أبو جده على باله؟
سنكون مجرد سطر في ذاكرة بعض الناس،وأسماؤنا وأشكالنا سيطويها النسيان.
لهذا أتعجب كل العجب من أناس يلجأون إلى السرقة واختلاس الأموال الطائلة والنصب والاحتيال، وأكل أموال الناس والدولة بغير حق، مع أن الله أعطاهم الستر والعافية والخير الكثير والمنصب والسلطة والجاه، ولا ينقصهم شيء.
ربما وصل بعضهم من العمر عتيّا، وقارب على لقاء ربه الذي سيسأله ويحاسبه على كل فلس سرقه واختلسه، وكان الأجدر به ان يلجأ إلى ربه عابداً وطائعاً منيباً، يرجو رحمته وغفرانه، وأن يتجاوز عن سيئاته.
كان الأجدر به أن يحجز له مكاناً في المسجد حيث مصحفه وقرآنه يتلوه، ويتفكر به وبمصير من أخذته الدنيا واسترسل بها وبملذاتها، ثم أخذه الموت بغتة من حيث لا يحتسب.
أين ذهب المال الذي استولى عليه بالحرام ووضع الخطط بدهاء لسرقته، أو اختلاسه، أو نصب واحتال على الناس وأكل مالهم بغير حق؟
ستمر الأيام والسنون ويتبدل الناس، أمواله التي سرقها واختلسها ستذهب إلى أناس لا يعرفهم، ولايتصور وجودهم في حياته.
أعرف شخصاً من هذه الأشكال رزقه الله ولداً واحداً، ثم ما لبث أن توفيت الأم، ثم لحقها الأب، ويتزوج الولد الشاب بزوجة من خارج بلده، ولم يرزقه الله ذرية، ثم يتوفى الابن، فتؤول الثروة الطائلة إلى هذه الزوجة الاجنبية التي غادرت البلاد بعد أن حوّلت المال إلى بنوك بلدها، ثم ما لبثت أن تزوجت من بلدها.
لقد آلت الثروة الطائلة التي جمعها هذا المسكين إلى أناس لم يعرفهم في يوم من الأيام، ولم يخطروا على باله أبداً ولا يحملون اسمه.
أجل كل هذا ليس له جدوى أو نفع بعد مرور السنين والأعوام، وتخيل بعد مئة عام، هل تتخيل من تؤول إليه؟
إن وجودنا ليس سوى ومضةٍ في عمر الكون، ستطوى وتنقضي في طرفة عين ، وسيأتي بعدنا عشرات الأجيال، كل جيل يودع الدنيا على عجل، ويسلم الراية للجيل التالي قبل أن يحقق ربع أحلامه، فلنعرف إذاً حجمنا الحقيقي في هذه الدنيا، وزمننا الحقيقي في هذا الكون، فهو أصغر مما نتصور.
سندرك كم كانت الدنيا تافهة، وكم كانت أحلامنا بالاستزادة منها سخيفة، وسنتمنى لو أمضينا أعمارنا كلها في عزائم الأمور وجمع الحسنات، وبخاصة الصدقات الجاريات، وسيطلق بعضنا صرخات استغاثة لا طائل منها.
كما في قوله تعالى:" قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ".
وقوله تعالى:" وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرتني إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّق وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ".
وقوله تعالى:" يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمت لحياتي".
طالما ما زال في العمر بقية، فلنعتبر ونتغيّر إلى الأفضل.

إمام وخطيب


[email protected]
آخر الأخبار