الأربعاء 18 مارس 2026
25°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
غزة مُحلِّقة كلها إلى السماء
play icon
كل الآراء

غزة مُحلِّقة كلها إلى السماء

Time
السبت 25 نوفمبر 2023
sulieman

نساؤها صرْن من الحور العين، أطفالها أمسوا ولداناً مخلدين، رجالها مع الأنبياء في مجالس الشهداء، فمنذ السابع من أكتوبر هناك غزة جديدة تُبنى في العلياء، بشوارعها التي دمرت، ومبانيها التي هدمت، واشجارها التي قطِعت.
يمشي أهلها ممن استشهدوا فيها بعزة، يعمرونها وينتظرون بقيتهم ليلحقوا بهم عاجلا غير آجل.
يقولون إن في بعض الأحياء يكون اليأس هو الأمل الوحيد، وإن البحث عن المعنى في الحياة هو في غالب الأحيان أولى من ثنائية تحقيق هدف شخصي، أو تركه لأولوية أسمى، الأمر الذي بدوره قد يكون عرضةً للخطر، إذا تقاطع مع أهداف الآخرين.
فقد ترك الفلسطينيون كل ما يمت للحياة المتعارف عليها، وذهبوا بنا إلى زمن، كان فيه الموت أحب على أصحابه من الحياة على أصحابها، بشكل سبب صدمة للغالبية العظمى منا، وأكاد أجزم أنها صدمة فاقت في وقعها المشاهد التي نراها على كل الجدران، وفي كل كوابيس اليقظة من دمار وموت محقق حولهم، في كل لحظة، ومع كل نفس.
انا بطبعي رافض لمبدأ الأبيض أو الأسود، الذي يلون عقليات فئة كبيرة من الناس في زمننا هذا، انه لا يمس أسس وثوابت ديننا المتفق عليها، والذي بموجبه نطلي طوال الوقت البشر في حياتنا، لا إرادياً، بهذين اللونين دون غيرهما من الألوان، فما يراه أحد الناس صحيح، قد يكون مَسلكاً إلى صَقر عند آخر.
فأقول: إننا غير مؤهلين للحكم على حقيقة ما يحسه إخواننا في غزة الأبية، فجميعنا أقل من ذلك، ولا استثني أحداً.
فمع كل ما نراه في وسائل التواصل ورغم الزخم القوي الذي تتصدره قضيتهم، إلا أنه في النهاية يُعد نظرة من ثقب صغير في باب الواقع، والذي بدوره مهما كان منصفاً فهو موجه ومُأَدلج من منظور مموليه.
فمنهم من يرى أن المقاومة كان يجب أن تعيد حساباتها، وأن تنظر بعين الشفقة لهذا الشعب، قبل المضي قدماً في مثل هذه العملية، ومنهم من يرى أن مجرد ضرب المحتل على وجهه، وتذكيره أن هذا الشعب لن يستكين يوماً، ولن يرضى أبداً بالأمر الواقع المفروض عليه من نهب أرضه، واسقاط الهيبة الكاذبة لهذا الكيان المزعوم وجيشه المدعي هو مكسب كاف، لإعادة احياء القضية، وتذكير العالم بها.
إلا أن المتفق عليه بينهم جميعاً هو حالة الصمود، التي تثلج الصدر، ودرجة الإيمان النادرة التي عليها هذا الشعب الأبي.
فصمود إخواننا أذهل كل دول العالم قاطبةً، وعلى رأسه الكيان المُختل المُحتل، وجعل من سردِيَتِه في الغزو الجوي والبحري والبري هباءً منثوراً على الأقل حتى الآن، وأرغمه صاغراً غير راضٍ على تقديم تنازلات، ما توقع أكثر المتشائمين من مؤيديه أنه سيضطر لتقديمها فداءً لرقبة مسؤوليه من سكين الرأي العام العالمي. هذا الشعب الذي قاوم هؤلاء المجرمين بكل الطرق المنطقية، بالسلاح الذي صنعوه بأيديهم من اللاشيء، والدماء الزكية التي سالت أنهاراً، والأفكار غير المنطقيه في المقاومة، بجعل أرحام النساء الغزاويات الطاهرة وتوالد، وتناسل وسيلة مقاومة تطلق يومياً سباعاً تزأر في وجه المحتل رفضاً، بحيث أصبح من الممتع المؤلم رُأيت من يموت يخلفه عشر أسود من نسله، وهو لم يتجاوز العقد الثالث من عمره.
رابضون… رافضون كما كان سلفهم، ومُصرون على إكمال ما بدأه ضرغامهم، ليس بما علمهم وما درسهم إياه، إنما ترك أفعاله تتحدث عنه وتنطق بصوت بلغ مسامع القاصي قبل الداني مردداً قول الشاعر الفلسطيني الشهيد عبدالرحمن محمود:
"فإما حياة تسر الصديق
وإما شهادة تغيظ العدى
ونفسُ الشريف لها غايتان
ورود المنايا ونيل المنى".
ويلكم يا من تنظرون إليهم محدثين انفسكم أنها ليست قضيتنا…
لا والله، بل ليس لنا غيرها قضية، فالأقصى مسرى نبينا (عليه الصلاة والسلام)، وفيها صلى إماماً بالأنبياء، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين، وضع اساسه ابو البشر آدم بيديه، واعاد بناؤه ابا الأنبياء سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، وتولى امره من بعده ولده اسحاق ويعقوب وسليمان (عليهم السلام جميعاً)، وفيها يصلي المسيح وراء مهدينا صلاة الفتح والنصر، وفيها محشرنا وحسابنا، فكيف بالله عليكم لا تكون قضيتنا؟
ولو فرضناها قضيتهم منفردين، ألم يعهد إليهم سيدنا عمر بن الخطاب بـ"العهدة العمرية"، ووجب علينا الالتزام والوفاء بها؟
ولو فرضنا أنه لم يفعل، أو أننا نسينا، أوليس من شيم العرب، منذ الأزل حتى الكفار منهم، الشهامة والمروءة، أولم يجيروا من استغاث بهم؟
لا والله اجاروهم وهم كفار، فكيف بنا وأعراضنا تنتهك كل ساعة، وأطفالنا جوعى، وعطشى، ونساءنا ثكلى، وبلا مأوى يسترهم، أجيروهم بالله عليكم ولو لم يبق لنا في الدنيا دابراً يخلفنا، فوالله ما نامت أعين الجبناء.

د. أحمد حامد الرفاعي

آخر الأخبار