الخميس 16 أبريل 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
فلسطين… التعاطف الإنساني وثقافته
play icon
كل الآراء

فلسطين… التعاطف الإنساني وثقافته

Time
الأحد 29 أكتوبر 2023
sulieman

عند كل إبادة ومجزرة يرتكبها كيان الإحتلال الإسرائيلي تزدحم الشوارع، وتعج بالتظاهرات المعارضة والمنددة، وهو ما يشير الى الحس الإنساني لدى شعوب العالم، والشعوب العربية والإسلامية خصوصا.
لكن مثل هذا التنديد ينتهي بانقشاع غبرة الآلة العسكرية، وتعود المجتمعات والشعوب إلى سابق عهدها، وكأن القضية إنتهت، وانتصر المظلوم ورفع الاحتلال.
السبب يعود في ذلك الى أن مثل هذا التعاطف الإنساني المحمود لا ينبع من ثقافة وقيم متأصلة، لدى هذه المجتمعات تجاه القضية العربية الفلسطينية، إنما هو فقط رد فعل عاطفي، ممزوج بنوع من الغضب من صور الأطفال والرضع، والنساء الذين سحقتهم الآلة الإسرائيلية، وهذا بلا شك محمود، لكنه يبقى موقتا، ولا يؤسس لقوة ونصر.
المثال الصارخ لذلك مسألة المقاطعة التجارية للشركات والمطاعم الداعمة للاحتلال الاسرائيلي، وهو سلاح، وإن استهزأت الماكينة الإعلامية، الغربية والأوروبية، به، إلا أن لها أثرا بالغا تضعضع أركان الاقتصاد الغربي، المرتكز على العولمة، وتعد هذه الشركات العابرة للقارات أحد دعائمه وركائزه الرئيسية، لكن تنتهي مثل هذه المقاطعة عند أول وقف لإطلاق النار، وتعود بعدها المجتمعات العربية إلى ثقافة الإستهلاك الغربي.
إن الإبادة الجماعية يمارسها كيان الاحتلال الإسرائيلي، الوكيل الوحيد والمعتمد للولايات المتحدة الأميركية وأتباعها الأوروبيين في الشرق الأوسط، أشار بوضوح صارخ الى أن لا يوجد شيئا إسمه حقوق إنسان، أو قيم بشرية، أو اعتراف بأي إتفاقات أممية كـ"اتفاقية جنيف" على سبيل المثال لا الحصر.
فالعالم الغربي يعرف فقط لغة واحدة، وهي القوة، أي أن تكن قويا فأنت صاحب حقوق إنسانية، وتزداد هذه الحقوق كلما أصبحت أقوى، ولا شك أن التعاطف الإنساني اليتيم الذي تظهره الشعوب العربية والإسلامية، عبر التظاهرات والمقاطعات الموقتة لا تؤسس لمثل هذه القوة، إنما تؤسسها ثقافة مقاومة وممانعة، تكرس قيما ومسؤوليات دائمة متواصلة.
هذه الثقافة للمجتمعات العربية والإسلامية أو لأي مجتمعات لا يريدها الغرب، لأنها ببساطة تؤسس لخطوات لاحقة، تقف أمام استفرادها بقيادة العالم، والانتفاع من مزايا نهب ثروات الدول، وتعزيز عملتها، ونظامها المالي وغير ذلك.
لهذا تزرع، وتؤجج الثقافات الطائفية والإثنية، وتقلب دولا على أخرى، وهو ما تفعله تماما حركات المقاومة التحررية، مثل "حماس" و"الجهاد" على سبيل المثال.
فالمفردات المستخدمة لوحشنة وشيطنة "حماس" و"الجهاد" خلال معركة "طوفان الأقصى" مثل القول "ان "حماس" أسوأ من "داعش"، أو الجماعات والمليشيات الإرهابية"، فهي تسعى الى فصل هذه الحركات التحررية عن شعبها في غزة وفلسطين والعالم، وذلك في عيون المجتمعات والشعوب الأخرى خصوصا، حتى تتحول هذه الجماعات والحركات كيانات خارجة عن القانون الدولي.
وبالتالي نسف أي مقدمة لثقافة وقيم مقاومة، وممانعة لتلك الشعوب، ومن ثم يستفرد كيان الإحتلال بتصفيتهم، وبعد ذلك يبدأ بين الفينة والأخرى بإبادات متقطعة للباقي من الشعب الفلسطيني.
ثم ينتظر الكيان جولة من التظاهرات العربية، والتنديد العربي، ثم يرجع ويزاول مهنة الإبادة مرة أخرى، لأنه ببساطة لا يخشى إلا من القوة، وتؤسس لها الثقافة، والقيم الممانعة، والمقاومة.
إن مثل هذا الثقافة ضرورية كونها تؤسس لممارسة مستدامة، ومثال ذلك المقاطعة والتنديد المتواصل، كما أنها تؤسس لوعي عميق يدحض الـ"بروباغندا" الغربية والإسرائيلية، وتؤسس على عدم الإعتماد على مصادر أحادية في تلقي الخبر والتحليل.
كما أن مثل هذه الثقافة أسست تاريخيا لأفكار نهضوية وتقدمية، ولعل أبرز ما تدفع إليه ثقافة الممانعة، ومقارعة الظلم، هو بناء قيم إجتماعية وسياسية، ناهضة وفاعلة.
عندما تنغرز في المجتمعات العربية والإسلامية قيما وثقافة مقاومة في تعاطفها مع الإحداث الاجرامية والاستيطانية، فإنها بلا شك تدفع لوعي سياسي وثقافي يفضح ممارسة الاحتلال الصهيوني، والدعاية الغربية، وتدفع نظمها الى اتخاذ أجراءات، وأفعال تحجم المشروع الغربي، ووكيله الاسرائيلي في المنطقة.
وأخيرا، يمكننا القول إن الجنون الغربي والأوروبي خلال "طوفان الأفصى" في تكميم الأفواه، والتحريف الإعلامي، وتضليل السرديات، والذي لم يسبق له مثيل في القرن الحادي والعشرين، هو نتيجة التفاعل الضخم لشعوب العالم ضد همجية ووحشية الاحتلال والغرب، الذي يمكن أن يكون لمثل هذا التفاعل، المجتمعي والشعبي، مقدمة لتأسيس ثقافة، وقيم مقاومة للنظام الدولي المتوحش القائم.

كاتب كويتي

أحمد غلوم بن علي

آخر الأخبار