الاثنين 04 مايو 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

لا معارضة و لا خصوم للنظام

Time
السبت 13 أبريل 2019
السياسة
حسن علي كرم

في الأنظمة الديمقراطية والتي تحترم الصندوق الانتخابي هناك ما يسمى بالمعارضة البرلمانية، وفي العادة يتخذ نوابهم جهة اليسار من قاعة البرلمان، فيما تتوزع بقية المقاعد على الأكثرية الحكومية والاحزاب الصغيرة والمستقلين، فالعبرة في المعارضة و الموالاة تنجلي من خلال اصوات الناخبين. في بريطانيا مثلاً التي تعد قلعة الديمقراطية، رغم الأكثرية البسيطة من الاصوات التي استحوذ عليها الصندوق الانتخابي بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي " بريكيست " ورغم ستنفاد المدة المحددة لغلق ملف الخروج و تحرير بريطانيا من كل الالتزامات تجاه الاتحاد، الا انه مازال موضوع الخروج يتداول بين البرلمانيين من الحزبين الكبيرين، المحافظين و العمال و بقية الاحزاب الصغيرة، ومازالت رئيسة الوزراء البريطانية المحافظة تريزه ماي حائرة تولول،غارقة الى قمة رأسها ما بين الخروج المظفر باصوات الاغلبية البرلمانية المعارضة والمؤيدة، وقبول دول الاتحاد بالعرض الذي قدمته ماي، والذي يتيح لبريطانيا الخروج الكامل او الخروج الجزئي مع الاحتفاظ ببعض الامتيازات، ورغم تأثير "البريكيست "على الاقتصاد البريطاني وانخفاض قيمة صرف الجنيه مقابل بقية العملات لاسيما الدولارواليورو، الا ان البريطانيين لم يخونوا تريزا ماي و لا حكومتها ولا النواب، ولا نزل العسكر اواحتل الهمج الرعاع الشوارع و الميادين اواقتحموا مقر الحكومة في 10 داون ستريت ولا اتهموها بالفساد والخيانة وغير ذلك من الاتهامات الشعبوية الجاهزة، ولا اقتحموا اسوار قصر بكنغهام لإجبارالملكة على التنازل عن العرش و تنصيب هلفوت انتهازي حاكماً على بريطانيا العظمى، ولا اقتحموا مجلس العموم ولا أحالوا قاعة الجلسات مسرحاً للردح والهوسات وتحطيم الموجودات، كل ذلك لم يحدث و لن يحدث،فهناك الصندوق الانتخابي هو المحك الذي يقرر من هو جدير بخدمة الامة و من لا يجدر به الوصول الى سدة البرلمان. و قد تضطر في النهاية تريزا ماي الى ترك منصبها او الذهاب الى انتخابات مبكرة اذا لم يصل البرلمانيون الى الحل المشرف الذي يتيح لهم الخروج من القفص الاوروبي على اساس لا غالب و لا مغلوب بلا تكبد مزيد الخسائر والاضرار.
الكويت ليست بعيدة عن النهج السياسي البريطاني، فنحن من تلاميذ المدرسة الانكليزية، و السياسة الكويتية لم تقم قط على نهج عدواني، ولا وصلت للحكم بالسيف وإسالة الدماء، بل بالتوافق و الاتفاق، ذلك ان الكويت نشأت على الرضا والتراضي، وهذا ما توارثه الحكم كابراً عن كابر، فالحكم قريب من الشعب، بقدر ما يشعر الشعب ان الحكم يمثله، لذلك شعر الحكم ان ليس هناك خصوم او منافسون او طامعون ينازعونه على الكرسي، لذا ينبغي ان نفرق بين المعارضة و الخصومة، فليس للنظام في الكويت خصوم او اعداء و ليس هناك من يسيل لعابه طمعاً بالحكم و احتلال قصر السيف، وانما هناك معارضون للسياسات الحكومية الخاطئة اذا صح التعبير، واكبر دليل على ذلك عندما اختلف بعض تجار الكويت في عهد الشيخ مبارك الصباح على فرض زيادة على الضرائب ترك بعض هؤلاء التجار الكويت ميممين نحو البحرين، الا ان الشيخ مبارك ما لبث ان ادرك خطأه، الامر الذي عجل بإرسال ابنه الشيخ سالم للبحرين فدعاهم للعودة الى الوطن، و في الثلاثينات من القرن الماضي لم تكن الازمة بين النظام وأعضاء مجلس الامة التشريعي هو الانقضاض على الحكم، وانما المشاركة في الحكم باعتبار ان من حق الشعب ان يكون جزءًا من القرار، لذلك نصت المادة (6) من دستور 62 على التالي " نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً " من هنا كان من حق الشعب ان يشارك عبر الصندوق الانتخابي في الحكم، فمسودة مشروع النظام الأساسي الذي وضعه مجلس 38 و رغم قساوته و تطرفه الا انه لم تمس مواده حقوق النظام، فمرجعية القرار في النهاية تعود للنظام الذي يتمثل في راس الدولة وهو أميرالبلاد، في فبراير من عام 1959 وفي مهرجان الذكرى الاولى للوحدة المصرية السورية الذي شهدته مدرجات ملعب ثانوية الشويخ و بحضور عدد من كبار شيوخ أسرة الحكم من بينهم المرحوم الشيخ عبدالله مبارك والمرحوم الشيخ عبدالله الجابر، ارتجل المرحوم جاسم القطامي الذي جرفه الحماس بعد الكلمة التي ارتجلها مذيع اذاعة صوت العرب المعلق المصري المفوّه احمد سعيد، فاشتط جاسم القطامي خارجاً عن السياق التقليدي للخطاب في مثل هذه المناسبات، فما كان من أمير البلاد المرحوم الشيخ عبدالله السالم الا ان اصدر الاوامر باغلاق جميع الأندية الرياضية والثقافية وسحب تراخيص الصحف، ولكن بعد اقل من سنتين وعلى اثر اعلان استقلال الكويت في 19 يونيو 1961 استدعى الشيخ عبدالله السالم جاسم القطامي رجل المعارضة ورجل الامن الذي هاجم الحكومة على منصة المهرجان، ليسلمه قيادة وزارة الخارجية و يكون اول وكيل لأخطر مؤسسة حكومية وليدة تنشأ في عهد الاستقلال. وعندما جرت انتخابات المجلس التأسيسي الذي عُهد اليه وضع الدستور كان لأقطاب المعارضة والتجارالحصة الأكبر في عضوية المجلس: الدكتور احمد الخطيب، عبداللطيف الثنيان الغانم، يعقوب الحميضي، احمد خالد الفوران، حمود الزيد الخالد واخرون، و قد تكرر المشهد في انتخابات مجلس الامة 1963 وكان نصيب المعارضة خمسة عشر مقعداً، هذا بخلاف دخول عناصر من يسمون او المحسوبين على المعارضة وأسندت اليهم حقائب وزارية (خالد المسعود) من كل ذلك نخرج بيقين ان لا معارضة او خصومة للحكم بل مشاركة في الحكم وإصلاح الوضع السياسي والقضاء على المحسوبية والفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة.
لقد كان الغزو العراقي الغاشم اصعب المراحل التي مرت على الكويت، الا انه لم يظهركويتي واحد خائن يطمع في حكم البلاد، او يعلن تأييده للنظام العراقي، وحتى الذين أعلنت أسماؤهم بالحكومة الدمية اجبروا ولم يخيروا، من هنا ينبغي ان نفهم العلاقة التبادلية ما بين الشعب و النظام، فالكويتيون بكل اطيافهم و مكوناتهم من المعارضة و الموالاة و من داخل السور وخارجه، يشكلون امة واحدة وسياجا وطنيا واحدا، وما هدف المعارضة الا الاصلاح. لن يفكر كويتي واحد بكرسي الحكم، وليس هناك غير أسرة الصباح مؤهل لإدارة الحكم ولا كويت بلا أسرة الصباح، فالثقة بالاسرة تبقى لا حدود لها، ولكن على الحكم ان يعيد ترتيب نفسه و يقدم الاجدر على الجدير، فالكويت وسط غابة من الوحوش و المطامع تحوطها من كل جانب، نحن كلنا ككويتيين بحارة في سفينة الكويت، وكلنا واحد، لذلك من الحماقة و السطحية الاعتراض على تعيين معارض في منصب قيادي او ترقية موال الى منصب اعلى، فما انهارت أنظمة ولا قامت ثورات الا من جراء الاقصاء. ان الاقصاء على اساس فرز المعارضة عن الموالات لا يشيد دولة و انما ينفر القلوب و يزرع الكراهية و الحسد، وسيطرة عصابة أقلية للتحكم بمصائر الاغلبية، لذلك علينا الا نتمادى في الشكوك، ونمنح أنفسنا صكوك الوطنية، والاخرون نخونهم وندينهم بالموالاة للخارج. الكويت لكل الكويتيين، والاختبار الحقيقي للوطنية والموالاة، يتجلى بالكفاءة والاخلاص، فالمكان يتسع للجميع، و لنضع الكويت في عيوننا لانها تستحق التضحية و التفاني والاخلاص.

صحافي كويتي
آخر الأخبار