د. ميشال الشمّاعيتبدو منطقة الشرق الأوسط، لا سيّما منطقة شرق المتوسّط، على فوّهة بركان ثائر حتى صار المنتظَر الوحيد هو ساعة الانفجار. وما ميّز هذه المنطقة بالذّات، الحياة بذاتها التي رفض هذا الشعب التنازل عنها، لكن المفارقة الكبرى تكمن في الستراتيجيّات التي تصغوها الأمم الكبرى في ظلّ التغييرات الجيوسياسيّة المرتقبة هنا.واللافت في هذا الواقع المأزوم الذي بتنا فيه، الحالة اللبنانيّة التي تميّزت بفرادتها بين شعوب المنطقة حتّى كادت تشكّل نموذجًا أمميًّا يحتذى به في مسألة التنوّع الشّعوبي.هذا التنوّع الذي كوّنته مجموعة من الشعوب التي ما عرفت أن تصبح شعبًا واحدًا وفق تعبير المفكّر اللبناني، المؤرّخ، جواد بولس، بقي العنصر الفاعل والحيّ والنّاشط في الظروف كلّها. وفي هذا السياق بدا لافتًا الخطاب الذي اعتمدته المجموعة الشيعيّة في التركيبة اللبنانيّة التي بدأت نضالها تحت لواء الإمام المغيّب موسى الصدر بحركة المحرومين.وهنا يصبح السؤال المشروع: ممّا محرومة هذه الجماعة الحضاريّة في لبنان؟ ولماذا بعد سبع سنوات من انتشار الفكر العربي الاسلامي في لبنان الذي كان بتنوّعه بين مكوّن مسيحي وآخر بقي رافضًا اعتناق الأديان، لم يستطع هذا الوطن الفريد أن يحقّق الهويّة الوطنيّة لشعوبه كلّها؟ والمفارقة في ذلك أنّ لبنان بذاته حقّق هويّته الكيانيّة التي تجلّت بحركة المقاومة اللبنانيّة التي قادتها المجموعة المسيحيّة، بالتحديد المارونيّة منها، حيث تمّت ترجمتها بلبنان الكبير سنة 1920 مع البطريرك الياس الحويّك الذي رفض أن يكون بطريركًا للموارنة، بل كان بطريركًا للبنان كلّه.أمّا اليوم، وبعد سطوة واضحة لـ"حزب الله" بسلاحه على التراث الكياني، فلقد عبّر بوضوح عن عدم رضاه عن هذا التراث الذي لم يخفِ لحظة مشروع النقيض له، المتمثّل بدولة إسلاميّة تتّبع ولاية الفقيه، ولا تتّفق حتّى مع عمقها العربي الستراتيجي، والدليل في ذلك أنّه وبتسلّمه مقاليد الحكم في لبنان لم يترك دولة عربيّة صديقة من المحيط إلى الخليج، بغضّ النظر عن استثناءات بناها على قاعدته الأيديولوجيّة الصرفة لا غير، وجعل لبنان في الحاضنة الايرانيّة بالمطلق.
من هذا المنطلق، صار وحده المفاوِض الدّولي في لبنان وفرض نفسه كمفاوَض معه من دون استثناء ليحقّق بذلك مشروعًا إقليميًّا لا يمتّ بأيّ صلة إلى الكيانيّة اللبنانيّة، بل أكثر من ذلك، يحاول أن يحقّق لنفسه كيانيّة عنصريّة تتلاءم مع وجود الدّولة العنصريّة الوحيدة في المنطقة، أي إسرائيل، ناقضًا بذلك فكرة الوطن التعدّدي التي تضرب ستراتيجيًّا العمق العنصري المتماهي بين الكيانين. فبعد إخراج لبنان من المعادلات التفاوضيّة في المنطقة ووضعه تحت اللواء الفارسي، وإخراجه من الحاضنة العربيّة التاريخيّة التي تتماهى مع حضارته، عادت بكركي ممثّلة بالبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لتضع لبنان العربي الكياني وسط طاولة التفاوضات الدّوليّة من خلال طرحه لمشروع الحياد الناشط في المنطقة، فعاد لبنان بكيانيّته ليشكّل الرٌّقم الصعب في هذه المنطقة، فضرب بذلك المشروعين العنصريّين المتماهيين بحقيقة كيانيّة ثبّتتها بكركي في الماضي البعيد وعادت لتؤكّد حقيقتها اليوم، يوم دقّت ساعة الحقيقة.لذلك كلّه، لن يستطيع أحد إخراج لبنان من عمقه العربي الستراتيجي، إلا إذا اقطتعه جغرافيًّا، وبالطبع هذا مستحيل. من هنا، جاء الطرح البطريركي الكياني الصميم بحياد لبنان ليثبّت هويّته التعدّديّة الكيانيّة، فينهي الصراع الشعوبي بين مجموعاته الحضاريّة ويجعل منها شعبًا واحدًا. وبهذا يكتمل لبنان الحضاري ويعود ليؤدي دوره التاريخي بين شعوب المنطقة بأكملها. لكن التعويل الأوّل والأهمّ يبقى على اللبنانيّين أنفسهم حيث هم مدعوّون لاستنهاض كيانيّتهم، والقفز فوق اللبنانيّة الليفنتينيّة المصلحيّة النفعيّة التي تجلّت بتكريس المحاصصة والزبائنيّة، والاستزلام بأبهى حللها مع هذه الطغمة الحاكمة بثورة قيميّة كيانيّة حقيقيّة تثبّت الدستوريّين الحقيقيّين في مهماتهم، ليواكبوا هذه الثورة المرتجاة.أمّا التعويل الثاني، الذي لا يقلّ أهميّة عن الأوّل، فهو على العمق الستراتيجي العربي الذي لا يستطيع أحد انتزاع لبنان منه، حيث على أصدقاء لبنان الحقيقيّين تأمين الدّعم العربي لطرح مشروع الحياد أمميًّا، ودعم تطوير النّظام ليستطيع لبنان أن يكون فعلا الرّمح التعدّدي الذي يجب أن يُنْحَرَ به المشروع العنصري القادم إلى المنطقة على حساب التفاوضات الدّوليّة. ومن له أذنان للسماع فليسمع.باحث سياسي، استاذ جامعي لبناني
[email protected]