أحمد الجاراللهعلمتنا التجاربُ أن شَعْرةً تفصل بين الحق والباطل، وأحياناً كثيرة يشتبه الأمر على الناس فيميلون إلى الباطل المُغلَّف بشعار الحقيقة، وعندها يُسقطون ضحاياه، ووحدهم يدفعون الثمن.يُعاني العالمُ، حالياً، من محنة كبيرة سببها ذلك التضخم الكبير الناتج عن الحرب الروسية- الأوكرانية، التي أرخت بظلالها القاتمة على العالم، بما تسبَّبت به من أزمة طاقة، ونقص في المخزون العالمي من الحبوب والغذاء.لا شكَّ أنَّ هذه الأحداث أدَّت إلى تبعات سلبية على العالم كله، إذ في كل الحروب الكبرى هناك أثمان اقتصادية تدفع، والدول التي لديها إدارة حريصة تعمل على عدم الوقوع في فخ الأزمة لتحافظ على استقرار شعوبها.الذين عاصروا الفترات الحرجة، لا سيما الحرب العاليمة الثانية، يُدركون جيداً كيف استغلَّ المُخرِّبون وأصحاب المشاريع المشبوهة الظروف، وقتذاك، من أجل تحقيق أهدافهم.ففي مصر، شكَّلت الفترة الفاصلة بين نهاية الحرب العالمية وانقلاب جمال عبدالناصر أرضية خصبة للتشويش على الحكم الملكي، وضعضعة الدولة، وإجهاض مشاريعها التنموية بحجة عدم الدفاع عن فلسطين، فيما الحقيقة أن "حركة الضباط الأحرار" كانت مدفوعة بأطماع شخصية من مُحركيها، وفي الوقت نفسه منع قيام أي قوة اجتماعية واقتصادية قادرة على تهيئة الظروف من أجل التوصل إلى حلٍّ لواحدة من أكبر الأزمات الدولية الناشئة بعد الحرب العالمية، ألا وهي القضية الفلسطينية.
المُتابع للأحداث في تلك المرحلة يُدرك جيداً أن سبب قوة إسرائيل لم يكن الدعم الغربي وحده، إنما القلق السياسي والاقتصادي الذي تسبَّبت به الثورة الناصرية إذ أدت إلى إجهاض أي تحرُّك عربي جدي؛ لأنَّ عبدالناصر عزف على وتر الحماسة والعاطفة الشعبية العربية، وهو الذي تسبَّب بالعدوان الثلاثي على مصر، وهزيمة عام 1967، وإفقار الصناعة والزراعة فيها بحجة تسخير الإمكانات للمجهود الحربي، الذي كان ينتهي في جيوب مراكز القوى التابعة للنظام، بما فيها الإصلاح الزراعي المُهلهل.منذ ذلك الوقت لم تستطع مصر التغلب على أزمتها رغم النقلة النوعية التي أحدثها الرئيس الرحل أنور السادات، عبر حرب العبور واستعادة سيناء، وإقامة السلام مع إسرائيل من أجل فتح أبواب بلاده أمام العالم، غير أن انهيار الدولة بسبب ممارسات عبدالناصر كان يحتاج إلى عقود لإعادة الاستقرار إلى البلاد، وهو ما حاوله الرئيس الراحل حسني مبارك.من أفظع ما تعرَّضت له مصر بعد انقلاب عبدالناصر، هو مؤامرة ما سمي "الربيع العربي"، الذي كان بقيادة إدارة الرئيس باراك أوباما، ومساعدة حثيثة من إسرائيل، وهو ما مهد الطريق لجماعة "الإخوان" لحكم مصر.في السنوات العشر الماضية عاش العرب أسوأ مرحلة بتاريخهم حين كانت كبرى دولهم تتعرض للتدمير الممنهج على أيدي تلك الجماعة، إذ خلال سنة واحدة من حكمها جرى تجيير كل مقومات الدولة لمصالح أعضاء مكتب الإرشاد، لكن ما شهدته مصر في السنوات الثماني الماضية من عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي كان ولادة جديدة، لا يُمكن لعاقل نكرانها، وما تحقق من مشاريع إنمائية يؤكد صوابية الخيارات الشعبية في ثورة 30 يونيو.انطلاقاً من هذه الحقيقة، لا بد من إدراك أن الأزمة العالمية لا شك أنها تترك تبعاتها على مصر، كما هي حال بقية الدول، لكن ذلك لا يعني الذهاب طواعية إلى الانتحار، من خلال دعوات مشبوهة إلى التظاهر في 11 نوفمبر المقبل، فهي دعوة إلى التورط بمؤامرة كبرى الهدف منها مصر كوجود، لذا فإن مواجهتها تكون بالعمل على تجنيب البلاد أي خطوات مغامرة يسعى الإرهابيون عبرها إلى إعادة عقارب الساعة للوراء.قال الله سبحانه وتعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"، ولا شكَّ أن بين أبناء الشعب المصري الملايين من الصابرين الذين عملوا طوال السنوات الماضية إلى جانب رئيسهم عبدالفتاح السيسي سيواجهون خفافيش التخريب "الإخواني" وغيرها، فمصر حجر الزاوية في الأمن القومي العربي، كما انتصر شعبُها على المؤامرة السابقة بدعم الشرفاء العرب، فسينتصر هذه المرة بذلك الدعم أيضاً، ولنا في الرئيس السيسي المُتعفف أسوة حسنة.