عبدالرحمن المسفرتوسمنا خيراً في الدكتور فهد العفاسي عندما تقلّد منصب وزير العدل و"الأوقاف" منذ سنوات، كونه يحمل شهادة أكاديمية عليا في القانون، فضلا عن عمله السابق في إدارة الفتوى التشريع، مطبخ دراسة المواقف القانونية وصنع القرارات، وتقديم الإفادات والمشورات اللازمة للحكومة، وتمثيلها في جهات الاستدعاء والتحقيق والدفاع عنها أمام القضاء.لكن وللأسف الشديد تفاجأنا بردة فعل العفاسي الأخيرة التي لا ترتقي إلى كل ما ورد ذكره عنه، ولا سيما تجاه التجاوز الخطير الذي تسبب به قطاع الشؤون المالية والإدارية في "الأوقاف"، وهو تسريب كشوفات الأعمال الممتازة لأبناء وبنات الوزارة متضمنة أسماءهم الرباعية، وأرقامهم المدنية، وبياناتهم الوظيفية إلى بوابات التواصل الاجتماعي والـ"واتساب" في سابقة مقززة تشكل إساءة مباشرة لمن تكشفت معلوماتهم الشخصية، لأن ذلك لا يتسق مع تعاليم الإسلام، أو الأخلاق، أو الذوق العام، كما أن تلك الأفعال والممارسات تجرمها بعض القوانين الوطنية: مثل الجزاء (المادة 120)و المطبوعات والنشر(المادة 21) وخصوصا البندين السابع والثامن،وكذلك قانون إنشاء هيئة تنظيم الاتصالات وتقنية المعلومات(المادة 70) وغير ذلك.إذا كانت وزارة "الأوقاف" المعنية بالوعظ والإرشاد والإصلاح المجتمعي تستقي منهجها في العمل من مبادئ وقيم الشريعة السمحاء، وتدرك على ضوء ذلك حرمة الإضرار بالناس والاعتداء عليهم بالأقوال والأفعال، ونجدها في المقابل تسلك مسلكا منحرفا من خلال سلوكيات بعض أفرادها من دون محاسبة أو ردع، فهل نعتبر مثل هذه التصرفات بمثابة إجازة من أكبر القيمين، موقعا ومرتبة قيادية، على هذا الكيان الديني الرسمي، بما يجعل من المقبول تعميم ما جرى من سلوك على بقية الجهات الحكومية الأخرى، والاقتداء بما فعلته ثلة قليلة تريد تشويه صورة المتدينين وشرعنة ما يشذ من شطحاتهم؟ لأن ذلك حدث فقط في أروقة وزارة "الأوقاف" من دون أن تُتخذ أي إجراءات أو قرارات عقابية حازمة تمنع تكرار ما حصل مستقبلا.وزير" الأوقاف" فهد العفاسي، الاكتفاء بالتدوير بين رؤساء القطاعات ليس أسلوبا صحيحا في الإصلاح وتقويم الاعوجاج، وتطبيق القوانين والأنظمة واللوائح على المخالفين والمتجاوزين، إنما الخشية من أن تندرج هذه المناورة الإدارية تحت عنوان التهرب من المسؤولية وذر الرماد في العيون، وليتك تعطيني يا معالي الوزير نصا قانونيا واحدا يقول إن تدوير المسؤولين، يُعد أداة صارمة لإنزال العقوبات على مرتكبي الأخطاء، في حين قد يكون إجراؤك الأخير الذي اضطررت إليه في حادثة تسريب كشوفات الأعمال الممتازة من باب امتصاص الغضب والنأي ببعض القيادات عن المساءلة المستحقة التي لست معفيا من تفعيلها رجوعا إلى قسمك العظيم لحظة تسلمك مهماتك وقيامك بمسؤولياتك الدستورية والسياسية وواجباتك الوظيفية، أما ترددك في ممارسة سلطاتك كما ينبغي أو محاولتك البحث عن تسويات ومخارج شكلية للمشكلة، فهما أمران مرفوضان جملة وتفصيلا، وكان يتوجب عليك إنفاذ نصوص القوانين المشار إليها في أحوال كهذه التي بين أيدينا.لماذا لم تُشكل يا وزير العدل و"الأوقاف" لجنة تحقيق في واقعة التسريب، ولماذا لم توقف الوكيل المساعد للشؤون المالية والإدارية في" الأوقاف" عن العمل قبل تدويره، على اعتبار أنه المسؤول عن هذا القطاع الذي خرجت منه هذه المستندات الرسمية، وتوقف معه أيضا كل مسؤول أو موظف يقع في مدار الاتهام أو التخاذل أو التقصير؟ ما الرسالة التي تريدنا أن نفهمها منك يا العفاسي في ذلك الشأن، هل نحن أمام حماية متعمدة لمن يخطئ أو يُهمل، ومن ثم لا يحاسب ويُغض عنه الطرف؟
انتهاك خصوصية الأفراد وإفشاء أسرارهم والمساس بشؤون حياتهم الخاصة عمل مشين وغير لائق، ولا يفترض أن يمر مرور الكرام لاعتبارين مهمين: الأول: أن العفاسي رجل قانون، وأولى من غيره بتطبيق العدالة نصا وروحا. الثاني: أن الفعلة المستنكرة صادرة من وزارة تمثل واجهة الوعظ والإرشاد الديني والمجتمعي، وأي استهتار في التعاطي مع هذه المسألة هو إهدار للمبادئ والقيم القانونية والإدارية والأخلاقية التي هي أساس اتزان وفاعلية وكفاءة المؤسسات المنضبطة.تبقى هناك قضية في غاية الحساسية، على وزير "الأوقاف" والعدل أن يستوعبها جيدا ويتوقف عندها مليا ليتأملها، وهي استقالة زميله الوزير محمد بوشهري من هذه الحكومة على خلفية الضجة التي أُثيرت حوله نتيجة الحكم القضائي الصادر ضده بسبب رفع إحدى الموظفات قضية عليه لما كان وكيلا لوزارة الكهرباء والماء، لإدعائها بوقوع أضرار أدبية ومعنوية نالت منها لنشر تقرير تحقيق سري يتعلق بها على موقع الوزارة في ذلك الوقت، فهل ما شاهدناه من انتشار أسماء وأرقام البطاقات المدنية لقوائم من الموظفين والموظفات والمبالغ المالية المصروفة لهم في "الأوقاف" يعتبر أمرا طبيعيا أم مستفزا؟ما زال في جعبتنا العديد من النقاط حول أداء وممارسات وزير "الأوقاف" والعدل فهد العفاسي في نطاق اختصاصاته والمسؤوليات التابعة له، لكننا سوف نحيلها إلى مقالة أو ربما مقالات مقبلة، حتى نعطيها حقها من العرض والتناول والتحليل والتفنيد، غير أن من المفيد ختاما أن يتنبه الوزير العفاسي إلى خطواته في كل ناحية، وإلى المعاملات التي يمررها للنواب أهي مستحقة أم تنفيعية، وإلى ترشيحاته لعدد من المناصب والأماكن الحساسة من قبيل مجلس أمناء هيئة مكافحة الفساد، أو ما ينوى اعتماده قريبا، فهو بلا شك سيكون تحت مجهر الرقابة الشعبية حاله حال غيره، فإن أحسن فلنفسه وإن أساء فعليها؟مستشار إعلامي
[email protected]