أحمد الدواسأزمة لبنان الحالية سببها التسوية السياسية التي أنهت الحرب الأهلية حول كيفية إدارة البلاد، ففي نهاية الحرب انتقل القادة السياسيون والعسكريون من الشارع الى المناصب الحكومية، وبدلا من بناء البلاد اعتبر كثير منهم مؤسسات الدولة هبة سخية، أو جائزة قُدمت لهم بعد الحرب، أي أن هذه التسوية رسخت الفساد وسوء الإدارة، ومن البديهي في هذه الحال ان يحيط السياسيون أنفسهم بالأتباع، وان تحدث محاباة وفساد.تدخلت إيران في الشأن اللبناني بعد سنة 1982 فأنشأت تنظيم"حزب الله" الذي أصبح بوقا لها، واستطاع مؤيدوه دخول البرلمان كنواب، وكان يعطل التشكيل الوزاري في بعض الحكومات، وساهم في تأخير اختيار رئيس الجمهورية لدرجة ان لبنان عاش من دون رئيس سنتين بعد مايو 2014، وكانت كتلة الحزب تصوت ضد القوانين التي لاتعجبها، أي تُعطل سن القوانين، ما أدخل لبنان في أزمات سياسية واقتصادية.وفي وقت ما هــدد"حزب الله" الكويت، وهاجم بلدان الخليج تنفيذا لسياسة أعوانه، فخسر لبنان الدعم المالي من تلك البلدان، وأصبح منعزلا عن محيطه العربي، كما خسر الدعم الدولي، فظهرت فيه أزمات البنية الأساسية، وانقطاع الكهرباء والماء، وعدم تصريف النفايات، واندلعت أزمة الحرائق في الغابات، وتبين ضعف الحكومة في مكافحتها، إذ لم تكن تمتلك طائرات هليوكوبتر لإطفائها، بل استعانت بقبرص والأردن واليونان. وأصبح لبنان من أكثر دول العالم مديونية، وحاول الاقتراض من الهيئات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لكن هاتين الهيئتين اشترطتا فرض ضرائب على الشعب من أجل الموافقة على مساعدته، وأعلنت الحكومة هذه الضرائب، فاندلعت الاحتجاجات وخرج الشعب الى شوارع بيروت يوم الخميس 17 أكتوبر الماضي، ثم امتدت المظاهرات الى أنحاء البلاد، وسارعت الحكومة الى إلغاء الضريبة، لكن الاحتجاجات لم تتوقف، وخرج اللبنانيون الى الشوارع بمختلف طوائفهم: السّنة والشيعة والمسيحيون والدروز، الفقراء وميسورو الحال، الفلاحون وأهل المدن، وأخذت كل طائفة تنادي بإسقاط النظام السياسي الذي تترأسه طائفتها، فالسّنة في شمال لبنان أسقطوا صورة رئيس الحكومة سعد الحريري، والمسيحيون أشعلوا النار في صورة الرئيس ميشال عون، والشيعة حطموا مكاتب"حزب الله" وحركة" أمل" التابعة لرئيس البرلمان نبيـه بري، وتحدى اللبنانيون حسن نصر الله علنية فصاحوا في بيروت ضده، وبأن النخبة السياسية هي المسؤولة عن تخريب البلد، وأصبح ثلث اللبنانيين فقراء، وفقا لدراسة من البنك الدولي، وقد ترتفع نسبتهم الى 50 في المئة إذا زاد الوضع سوءاً. قلنا ان لبنان خسر الدعم المالي من دول المنطقة والهيئات الدولية، وأصبح يعاني منذ اكتوبر 2019 أزمة اقتصادية سببها انخفاض التحويلات المالية من الخارج، ما جعل المواطن بحاجة الى العملة الصعبة، ويقف العملاء في صفوف أمام البنوك ساعات طويلة، ولا يستطيعون سحب ما يشاؤون من الدولار من حساباتهم سوى مقدار معين. أزمة لبنان امتدت لسورية نظرا لارتباط اقتصاد لبنان بالاقتصاد السوري منذ فترة طويلة، فقد كانت البنوك في بيروت ملاذاً آمناً للتجار والأثرياء السوريين من أجل التجارة مع الخارج، لكن عندما أصبح القطاع المالي اللبناني متعطلا، وظهرت ندرة الحصول على الدولار في لبنان، تدهور سعر الليرة السورية مقابل الدولار.يقول مدير برنامج الغذاء العالمي ديفيد بيسلي:" ان سورية تواجه ارتفاعا كبيرا في الأسعار نتيجة أزمة البنوك في لبنان، فالوضع الاقتصادي السوري متدهور بسبب انهيار الاقتصاد اللبناني، فقد كان النظام المصرفي اللبناني بمثابة الأوكسجين للاقتصاد السوري لعشرات السنين".كان يجري تهريب السلع، مثل الوقود والقمح من لبنان الى سورية، ولكن لما أغلقت الحدود لمواجهة وباء" كورونا" انقطع تدفق هذه السلع، ومنذ نوفمبر الماضي انخفض سعر الليرة اللبنانية من 1500 ليرة للدولار الى 4000 في السوق السوداء، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 50 في المئة في شهر مايو الماضي، وتضاعف سعرها في سورية. أصبح المواطن العادي ضحية المأساة من بيروت الى دمشق، ولاغرو ان تندلع الاحتجاجات فيهما في الوقت نفسه، مطالبة بظروف معيشية أفضل وسقوط الطبقات الحاكمة، ففي سورية خرج مئات المتظاهرين الى شوارع سويداء ودرعا مغامرين بحياتهم ضد النظام، وفي 9 يونيو الجاري حدث نقص في الدولار في محلات الصرافة السورية، وانخفض سعرصرف الليرة مقابل الدولار فأصبح كل دولار يساوي 3500 ليرة، بينما كان يساوي 700 ليرة في بداية سنة 2020، فتضرر كثير من السوريين الذين يعانون أصلا من مشقة الحياة المعيشية، وجاء ما يُسمى" قانون قيصر" الذي فرضته أميركا على سورية، وهو باختصار معاقبة الشركات والدول التي تتعامل مع سورية لتضييق الخناق على نظامها السياسي. برأيي ان الإدارة الأميركية أخطأت بفرض هذا القانون، فلو كانت استعملت أسلوب التفاوض مع القيادة السورية لكان أفضل لها، فإمكانيات سورية كبيرة لتصبح بلدا مزدهرا، بل إنها بلد غني بموارده الطبيعية، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا.لقد التزمت الحياد في التحليل، وهذا دأبي دائما، ولست محسوبا على جهة، ولم تطلب مني "السياسة" الكتابة عن هذا الموضوع، كما لا أتلقى أجرا على الكتابة، والله على ما أقول شهيد.
[email protected]