الأحد 15 مارس 2026
21°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
منوعات

مالك مجباس: "الثقب الروحي" محاولة للخلاص من بؤس العالم

Time
الأربعاء 29 يوليو 2020
السياسة
على المثقف ألّا يؤدلج نفسه وأن يكون تنويرياً حقيقياً ينتصر للحياة والإنسان وذاته

القاهرة - سماح الجمال:

العراقي مالك مجباس وعلى وشك البدء في العقد الثالث، يردد دائما أبياتًا من مقدمة قصيدة" الرسم بالكلمات" للشاعر نزار قباني
"لا تطلبي منّي حسابَ حياتي
إنَّ الحديثَ يطولُ يا مولاتي
كلُّ العصورِ أنا بها
فكأنمَّا عمري ملايينٌ من السنواتِ"
ويصف نفسه بإنسان يحاول أن يجد أجوبة لأسئلته المزمنة.
من هذا المنطلق يخوض التجربة الروائية التي يشارك من خلالها شخصيات السرد في محاولاتهم لإيجاد معاني حياتهم أو إيجاد ذواتهم.
حول روايته"الثقب الروحي"، اجرت "السياسة"، هذا الحوار مع الروائي العراقي مالك مجباس:

كيف ترى الإنسان؟
الإنسان يولد ومعه دافع للتساؤل عن مجاهيل العالم الذي يحيطه، ثم مع تشكل الوعي تتطور هذه الملكة الاستفهامية عن ماهية الحياة والكون والعالم الآخر، عن مصدر وجودنا وإلى أين نتجه.
ألا ترى أنها أسئلة وجودية؟
نعم هذه الأسئلة الوجودية المحورية البسيطة في ظاهرها والعميقة في أصلها هي التي شغلت البشرية على مرّ تاريخها، تصدى للإجابة عنها الفكر البشري عبر تطوره منذ الاساطير والأديان إلى الفلسفة ثم العلم، هي التي شكلت دافع التغيير والتطور في المسيرة البشرية.
كيف؟
هذا الدافع هو ذاته الذي صنع الخلق الأسطوري الذي يعني نزوعا لا واعيا نحو الخلاص من محنةِ الحتميةِ التاريخية، وبحثُ عن منفذٍ آخر للمصيرِ الشاخص مع اكتشاف أو رحيلِ الاقران والكائنات المحيطة، هذا الدافع الذي شكل الأسطورة هو ذاته الذي قاد البشري الأول إلى الإبحار في عوالمِ السحر البدائي ثم الطقوس والعقائد، وبتحصيلها أدى إلى ظهور الميثولوجيا الأولى، ظل دافعًا بعد ذلك حتى أصبح قوة لا واعية عظيمة وجبارة في الفلسفة وإبداعِ الفنون والآداب والعلوم واكتشاف الفضاء والكون، كذا أساطير الأديان وطقوسها المتعددة.
أيّ خلاص تنشده؟
"الثقب الروحي" حلم الخلاص أو السبيل للخلاص من محنة ما وصلنا إليه، أو ما وجدنا أنفسنا فيه، إنّها الوسيلة التي توصلنا إلى العالم الذي تحدث عنه زرادشت نيتشه في "هكذا تكلم زرادشت"، أيّ إنّ فكرة "الثقب الروحي" تعد محاولة إنقاذ من بؤس العالم ومشاهد العنف الحياتي بشتى أشكاله، الخلاص من الحروبِ،الدّم،الفقر، وهلاكِ الكائن البشري بِشكلٍ مفجع ومؤلم، النفاذ من لعنة ما وصلنا إليه من حال.
كيف ولدت فكرة رواية " الثقب الروحي"؟
تولدت في ذهني من أيامٍ سالفة يصعب تحديدها، لكن الفترة الفعلية لكتابةِ النص كانت قرابة التسعة أشهر.
هل تخلصت من مشاعرها بسهولة؟
توجد تجارب وجدانية عميقة تحدِّث انفجارات هائلة في كياننا، طريقة تفكيرنا، ونظرتنا للعالم والإنسان، هذه التحولات الحادة كانت كفيلة بسلخ اعتقادات كنت اعتبرها راسخة، لكن خلال وبعد الشروع في العمل الروائي تغيرت بشكل مفاجئ وربما مؤلم، فإن تنسلخ من جلود"اعتقادات وأفكار" ألبسك إياها المحيط والمجتمع هي عملية صعبة - بطبيعة الحال- تشابه عملية السلخ المادي.
هل تغيرت حياتك بسببها؟
كما قلتُ في حينها "بعد نهاية الرواية"، تغير إيقاع أيامي؛ فما عدتُ قادراً على مسك لجامها ولو على سبيل الخيال.
ما معتقدك وفكرك السياسي الذي استطعت تمريره عبر السرد؟
أعتقد أنه على المثقف ألّا يؤدلج نفسه، عليه أن يكون تنويريًا حقيقيًا ينتصر للحياة والإنسان وذاته، في اللحظة التي ينزلق من مختبر منهجه الذي يرتكز على دحض "اشتغالات الدين والايديولوجيا" إلى هاوية ما يعمل ضده؛ بفعل إغراءات السلطة والمال أو بفعل الخوف من الحشود الغوغائية والجماهير القطعائية، يتحول إلى مسخ عصابي فاقد لأيّ ملامح تشخيصية، حينها يتعدى مرحلة التهافت إلى مرحلة الأفول ثم الموت والفناء المعنوي.
هل ترى الايديولوجية خطرا على الروائي؟
عندما ينخرط"المثقف" ذو التفكير الكوني- الإنساني في حضيض القومية –العرقية - المذهبية البائس، يكشّر عن أنياب تطرفه ضيق الأفق، يرفع راية الحق الأوحد، حينها سنعلن ترديه وانحطاطه قبل أن نشيع نعش "ثقافته" ونتاجه الثقافي الكوني السالف، لن ترحمه عجلات التاريخ التي تبتلع كُلّ حي وميت، التي لا تلتفت لمحاولاتِ ايقافها أو تأبيدها، هذا رأيي في السياسة وفي المثقف ودوره، على الروائي أن يكون مثقفًا منتجًا ومفكرًا حرًا.
ألم تخش أن يفقد القارئ صبره بسبب طول الرواية؟
الكاتب الجيد عليه الانتباه لمواضع تشويق القارئ حتى يواصل رحلته مع سير الأحداث، أمّا قدرتي على الاحتفاظ بالقارئ ومواصلته القراءة؛ فهذا أمر- مبدئيًا-يحدده القراء، أعتقد انني نجحت في عملية التشويق للمواصلة؛ هذا ما أكدته عدة آراء ثقافية وأكاديمية أثق بها وبتقديرها، بطبيعة الحال، يبقى لِكُلِّ قارئ ذوق ومزاج مختلف "يحبذ أو لا" حسب توجهاته وأسبابه.
هل تتبع مدرسة محددة في الكتابة أم ترى نفسك مجددًا؟
أحاول التجديد على قدر ما أمكن إلى ذلك سبيلًا، الهدف الأول- بالتأكيد - هو "طرح الأسئلة"، أثير الأسئلة وشموع الشك ولستُ بداعية لمذهب أو متبني لإيديولوجيا معينة، لا أقدم نصائح للسير وسلك الطرقات، جل ما أفعله هو التأكيد على الثقة بالنفس من أجل المعرفة، كلنا ما زلنا لا نعرف شيئًا، يجب أن نتعلم ونتعلم، على كل كاتب أن يجد طريقًا خاصًا يوصل فيه إبداعه الروائي أو غيره، أن يبني لتجربته نمطًا متميزًا عن الآخرين كي يلامس خطوات نجاح أصيلة.
هل أرضت الرواية غرورك كروائي؟
في جعبتي أعمال روائية مقبلة على المستوى القريب جدًا والبعيد أيضًا، سنكشف عنها في حينها، هاجس الكتابة ما زال متوقدًا ويدفعني إلى المزيد، أتمنى أن أكمل ما أخطط له.
هل الروائي يكفيه محاكاة وتسجيل الواقع أم عليه تجميل الواقع؟
إن وظيفة الروائي تكمن في جعل اللاواقعي مكملا للواقعي، مستمرًا معه، ومستمدًا عناصره منه، فهو يبني ما عجز عنه الواقع أو اليومي ليأخذ القارئ لعوالم أخرى، يجد فيها عزاءً لمشكلات حياته وعيش تجارب إنسانية مغايرة بمختلف سماتها ومستوياتها وقدراتها الفكرية.
بمن تأثرت من الروائيين أم ترى نفسك مختلفًا؟
توجد أفواج من الأشخاص لهم الفضل الكبير عليّ وعلى تنمية ملكة الكتابة أو تحولات تفكيري، كل شخص قرأت له يوما هو شريك في كل جملة أكتبها، أمّا فن الرواية والسرد، فالقائمة تطول هي الأخرى بدءا من الكلاسيكيات الإنكليزية والروسية وصولًا إلى أميركا اللاتينية وآسيا، بالضرورة الكتاب العرب الكبار وصولًا إلى المعاصرين، أعتقد أن السرد العربي المعاصر متجدد ويحمل بصمات ابداع، توجد أعمال كبيرة تستحق الوقوف عندها طويلًا، ولا أريد الخوض في الأسماء.
إلى متى يظل الروائي العراقي مشبعا برائحة البارود؟
الروائي لسان حال بيئته وظروفه وبلده، يخلق من هذه البيئة المحلية عوالم تتسع إلى العالمية، هذا هو المهم، أن يصنع من عناصره الأولية تجربة إنسانية تنبض لها أفئدة الأمم الأخرى، بوصفه يقدم نماذج عن وطنه وناسه، هذا شأن الكُتاب الكبار كما هو معروف، فالكاتب العراقي،الروائي، الشاعر، الفنان، المطرب،والموسيقي، يعبر عن بيئته وما يعايشه من يوميات دامية وحروب أزلية.
العراقي وريث لحروب مستدامة على أرضه منذ بدايته المدنية ونشوء الحضارة، حتى ملوكه ورؤسائه، أغلبهم قضوا بالقتل والثورات، كما يعبر عن ذلك صامويل نوح كريمر، "العراقيون القدماء كانوا يقتلون ملوكهم ويخربون قبورهم بعدة ثورات وانقلابات دموية، بعكس المصريين مثًلا الذين كانوا يقدسون ملوكهم ويعتبرونهم صنفا من الآلهة الأرضيين وحتى وهم أموات يبنون لهم الأهرامات الشاهقة".
أي أن هذه المشاعر متجذرة في النفس العراقية؟
نعم، أن الدماء ،التضحيات،الحروب، وما يرافقها من مواجع وأحزان متجذرة، كما يبدو ألّا مناص لهذه الأرض من الخروج عن ناصية قدرها، لا مناص للروائي إلا أن يجسد هذه الصور بشكل لانهائي، ربما إلى أن يكفّ"العراق" عن كونه عراقًا، أو يكف الروائي العراقي أن يكون عراقيًّا.
كيف أثر ذلك على المواطن العراقي؟
نحنُ شعب مشبع بالحزن بكل جزئيات حياته وحتى التجارب الخارجية الوافدة إلينا تكتسب ثوب الحزن هذا، حتى موسيقانا وأغانينا تشبه أناشيد المناجاة والشجن المبكي، رغم هذا الحزن العميق في الذات العراقية والرواية العراقية إلا إنّي أرى صوت الحياة وإرادتها تتمحور وتظهر بقوة في أغلب الأعمال السردية والتجارب كثيرة، لا مجال لذكرها؛ رغم الحزن ،المآسي، والخسران التي تكون التيمة الرئيسية للكِتاب، لكن هدف الروائي النهائي يكون شبيها بما توصل إليه غلغامش السومري في الملحمة الرافدينية الخالدة، أيّ أنّه يمرر من خلال"تراجيديا الحزن والمآسي" الدعوة إلى الحياة وبناء الإنسان.
هل تكتب للخاصة أم تسعى الى جذب العامة لعالمك؟
أنا ممن يدعون إلى الكتابة بمستويات عدة، أي أن يكون الكتاب على طبقات عدة تتوافق مع كل فئة عقلية أو فكرية، فيستطيع القارئ المبتدئ أن يأخذ من الكتاب نسبة من المعرفة، كذا المتعمق الذي يبحث عن التغيير الحقيقي يغرف ما يشبع نهمه.
هل نجحت في ذلك؟
بصراحة، ربما هذا أمر يثير الاستغراب، إن ما يهمني هو رأي أشخاص قليلين يستطيعون أن يجعلونني ابتسم بدهشة حينما أسمع آراءهم النقدية الحقيقة وملاحظاتهم الدقيقة سواء مع أو ضد ما أريد، ولا أحبذ تسميتهم بالخاصة، أنا لا أكتب لما يسمى "الخاصة"، بل أكتب للجميع ولغير أحد كما يقول نيتشه، لكن هؤلاء جميعا هم الذين سيدركون ما نكتب وما نطمح إليه، أيّ أولئك الذين افرغوا رؤوسهم للمعرفة، الفكر، رحلة التغيير، والتعلم كما تشير"بوذية الزن" في أحدى قصصها الشهيرة.
هل يمكن الكتابة لإرضاء القراء؟
أنا ضد فكرة أن يكتب الكاتب، كما يُقال، نزولًا عند رغبة القراء، رواج السوق، الطلب والعرض على البضائع، هذه ليست كتابة حقيقية يمكن أن تُحدث تغييرًا توعويًا ومعرفيًا على شعوبنا الغارقة بالجهل،التخلف،والمشكلات الشائكة المعقدة، نحن أحوج ما نكون إلى ثورة فكرية تتطلب تضحيات كبيرة وشجاعة تلبي طموحات جمالية وحياتية تجعلنا نتغلب على واقعنا الذي أراده ورسمه تجار الجحيم وأعداء الشعوب ونافثوا التفاهة، يجب أن نعيش كما ينبغي لنا، أن نتحرر من خرافات الموت التي تقتلنا، ان نزيل سلاسل وسياط المجرمين المُضمًّخة بدمائِنا، لقد أُنهكنا،تعبنا،وخسرنا الكثير والكثير.
كيف يعرف الروائي أنه نجح؟
مع مشكلات النشر ودور النشر العربية التي لا مجال هنا لبحثها، فلا داعي لاعتبار الجانب المادي مقياسا معياريا للنجاح من عدمه، رغم أني في كل الأحوال لا أعتبره دلالة على نجاح العمل الروائي؛ فالرواية الرصينة الناجحة ستثبت نجاحها بمرور الزمن، هذا ما برهنت عليه "الكلاسيكيات" الخالدة وسيرة حياتها وأصحابها.
إذن ما معيارك للنجاح؟
ببساطة، كمعيار شخصي، فإنّ الروائي يدرك نجاحه حينما يجد رسالةً خاصة من شاب / شابة مجهول مكتوب فيها، أن الرواية قد قلبت حياته وتفكيره وجعلته في طريق الإجابة عن أسئلة التحرر والتنوير المعرفي، أنّها أثارت مواقد الشك في ذهنه، حينها يدرك ثمن ما أنجز، وهذه قمة الطموح، لذا فإنّ وظيفة الكاتب أو سواه ممن يشتغلون بالكلمات، أنّ يفتحوا نوافذَ الشك التي تقودُ إلى الحقائقِ والسبل المعرفية بدلا من أن يكونوا أوصياء ووعاظ ينصحون ويشجبون.
إلى أي جغرافيا وصلت أعمالك؟
سعيد بالأنباء التي تصلني من معارض الكتب العربية والقراء، في الوقت ذاته تجعلني بموضع مسؤولية كبيرة تتعاظم مع كل كلمة نقدية تقال في اِتجاه تصويب وتوصيف عملنا السردي، وبخاصة إنّها المرة الأولى التي أخوض فيها تجربة النشر، أن يكتب عن الرواية أطروحة دكتوراه تكتب عنها دراسات نقدية أكاديمية من كتّاب كبار وأساتذة ذوي خبرة ومعرفة عالية، وغيرها من الأشياء الجميلة التي كانت ردود فعل رائعة جعلتني في موضع سعادة وفخر واعتزاز بما أنجزت مهما كان بسيطًا، مما يعطيني دافعا كبيرا للمواصلة، انها خطوة وتجربة أولى ناجحة في كل مقاييسها كما أظن.
ماذا تعنـــــي لك مصـــــر حتى تختارها راعيا لأعمالك وتطبع روايتك بها؟
اعتبر إنّ الشعب المصري شعبا مثقفا، واعيا،وريث لحضارة فريدة وعظيمة، كل كاتب عربي يتمنى أن تصل أعماله الى جمهور القراء في مصر، بوصفها نقلة محورية أساسية وليست تكميلية إضافية، مع تطور سبل النشر والتوزيع تكون الفرصة مؤاتية لإيصال الأعمال إلى مساحات أكبر، بالنسبة لي، فإنّ الدار المصرية وفرت لي هذه المساحة، أوصلت العمل لبلدان عدة من خلال المعارض و نوافذ البيع الإلكترونية، نتطلع إلى جهود أكبر في هذا الاتجاه، عسى أنّ نوفق فيها.

مالك مجباس

آخر الأخبار