الخميس 30 أبريل 2026
25°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأولى

مجلسٌ يتلكَّأ وحكومةٌ تنام على حرير والنّاس يسألون: كيف طار الفلس الأبيض؟

Time
الأربعاء 26 أغسطس 2020
السياسة
كتب- أحمد الجارالله:


جاءت الحكومةُ إلى معالجة الأزمة المالية والاقتصادية متأخرةً، ورغم صحة المثل: "خير أن تأتي متأخراً من ألا تأتي أبدا"، إلا أن ذلك لا يُصلح ما انكسر في الأشهر الماضية، إذ رغم صحة القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء أول من أمس، خصوصاً في ما يتعلَّق بتعيين فريق برئاسة الدكتور الشيخ مشعل جابر الأحمد ليتولى تشخيص المستجدات التي طرأت على الوضع الاقتصادي جراء أزمة "كورونا" وانخفاض أسعار النفط، وإعداد برنامج عملي متكامل لإصلاح الوضع، لكنها لن تمنع استمرار الخسائر.
لا شكَّ أن اختيار رئيس الفريق موفق جداً، فهو متخصص بالاقتصاد، وحين كان مشرفاً على هيئة الاستثمار كان يصرخ في واد بينما الحكومات كانت في وادٍ آخر، ولذلك عسى أن تمنح التوصيات التي سيتوصل إليها هذا الفريق الاهتمام الحقيقي، ويؤخذ بها وتنفذ فوراً كي لا نعود الى الدوران في حلقة مفرغة.
الشيخ مشعل جابر الأحمد ممن قالوا كثيراً: إن البنية التشريعية طاردة للاستثمار، وإن أي ممول أجنبي لن يغامر بتأسيس مشروع في الكويت مادام لا يشعر بالحماية، لذلك كان لا بد من تحسين تلك البنية، ومنها قانون الإفلاس، وتسهيل الإجراءات، لكن لم يكن هناك من يسمع، لذا بقيت مشاريع قوانين الاستثمار حبيسة الأدراج وراح مجلس الأمة يتلكأ في إقرارها، بينما الحكومات كانت تنام على حرير الوفرة المالية، ولم تعمل بالمثل: "الفلس الأبيض لليوم الأسود".
كلُّ هذا أكدته الأحداث خلال أزمة "كورونا" خصوصاً غياب الرؤية الواضحة لإدارة الاقتصاد، ففي الوقت الذي ضمَّنت فيه حكومات العالم القروض الميسرة للقطاع الخاص لتفادي الانهيار، حتى في الدول الفقيرة، إلا أن في الكويت وضعت السلطة التنفيذية خطة إفقار وليس تحفيزاً، ورفعت يدها عن البنوك التي من واجبها ضمان أموالها، في ظل غياب الضمانات الأخرى، وكأن الدولة تسعى الى أن تأخذ من الحافي نعاله، الى درجة أن محافظ البنك المركزي استقال من رئاسة هذه اللجنة، وهذا لمن يفهم ألف باء الاقتصاد، يعتبر انتكاسة كبيرة.
نعم، هناك حسنة فعلها "المركزي" وهي طلبه من البنوك تأجيل تحصيل أقساط القروض ستة أشهر، وربما ستحتاج إلى ستة أشهر أخرى، لكن في المقابل سيؤدي ذلك الى كارثة للمُقترضين لأنَّ هؤلاء لم يحصلوا على دعم للاستمرار في مشاريعهم، وهم بعد أسابيع قليلة سيكونون في مواجهة مع البنوك، إذ كيف لمن أقفل مؤسسته ثلاثة أو أربعة أشهر، ولايزال غير قادر على العودة إلى عمله الطبيعي بسبب الإجراءات الاحترازية "القراقوشية"، الوفاء بالأقساط المتأخرة، فيما في الدول الأخرى، لاسيما المجاورة تزامن الإغلاق مع إجراءات انقاذية، أكان في السعودية أو الإمارات أو غيرهما، حيث ضمنت الحكومات دفع رواتب الموظفين كي لا ينهار القطاع الخاص.
غياب المعالجة السليمة برز في عملية تمويل إجراءات مواجهة الوباء، فالحكومة أقرت 400 مليون دينار، ورأينا أن ذلك اقتصر على بناء مستشفيات ميدانية، ولم تكد تمضي أيام حتى بدأت تتكشف المخالفات ما دفع إلى إحالة الأمر للنيابة العامة وديوان المحاسبة، ولأن الكتب تقرأ من عناوينها، فإن كل الذي حصل في الاشهر الثمانية الماضية كان "تخبيصاً" بامتياز.
كان يمكن للحكومة أن تحول هذه الأزمة فرصة، ففي الأشهر الماضية انخفضت أسعار الأسهم العالمية، وشكلت فرصة ثمينة للمستثمرين، وفي الوقت الذي استغلت الإمارات والسعودية ذلك وعزَّزت احتياطيها المالي، عمدت الكويت إلى التسويف إما من خلال التعلل بأن مجلس الأمة لم يوافق على قانون الاقتراض، أو أن شراء أسهم في البنوك المحلية سيعتبره بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي "دعماً للتجار"، حتى وصلنا اليوم إلى فضيحة من العيار الثقيل، وهي أن دولة مثل الكويت، الغنية جداً، غير قادرة على دفع رواتب موظفيها في نوفمبر المقبل، والطامة الكبرى أن يُعلن ذلك وزير المالية وفي مجلس الأمة على رؤوس الأشهاد، بينما اليوم أعلنت بعض المؤسسات الرسمية أنها لا تستطيع دفع رواتب أغسطس.
لو كانت الحكومة عملت برؤية علمية لربحت عشرات المليارات من استغلال الأزمة، لكنها للأسف لم تتخذ أي إجراءات مالية تمنع التبعات السلبية التي نواجهها اليوم بسبب الخوف من مجلس الأمة، أو نتيجة لحسابات واهية، وهاهي تدخل في مرحلة الاقتراض بفوائد عالية جراء القراءة غير الصحيحة.
سمو الرئيس، جميعنا يعرف أن ليس في مجلس الأمة خبراء مال واقتصاد، وهذا ليس عيباً، إنما المعيب أن تركن الحكومة الى ذلك، ولا تحرك جيش الخبراء والمستشارين ليشرح للنواب حقيقة الوضع المالي، ولماذا على الحكومة أن تقترض 20 مليار دينار، وكيف لو أنها وظفت بعض الأموال في السوق العالمية، لكانت وفرت على نفسها الكثير، وللدلالة على هذا الأمر لدينا مثالان، الاول: لبنان الذي يقترض بفائدة تصل الى نحو 16 في المئة، والثاني: المملكة العربية السعودية التي لديها احتياطي من المال السيادي لذلك تقترض بفائدة 1.5 في المئة.
إن جعل الأمور تصل إلى هذه الدرجة هو نتيجة غياب المعالجة الحكيمة للوضع الاقتصادي، والذي كان من الواجب أن يأتي من القيادة بأمر أميري، بعد أن يرفعه إليها مجلس الوزراء، تماماً كما هي الحال في الامارات والسعودية وفرنسا وبريطانيا وكندا، وغيرها من الدول التي لم تنتظر مجالسها النيابية، بل ضخت المليارات في الأسواق وأنقذت اقتصادها.
سمو الرئيس، أضع هذه الوقائع أمامكم كمواطن لا مصلحة له غير مصلحة الكويت، فالكويتيون اليوم لا يحمِّلون مجلس الأمة وحده المسؤولية، إنما يعتبرون الحكومة مقصرة في حماية لقمة عيشهم، ورغم القناعة أن الصحة قبل المال، إلا أن المال يشتري الأدوات والمعدات التي تتحصن بها الصحة، وكان الأجدر عدم الانسياق الى هذا الخوف غير المبرر، فيما أصبحت الإجراءات الاحترازية المبالغ فيها باباً من أبواب التجويع والتمصلح، وهو ما يؤدي الى فقدان الصحة والمال.
آخر الأخبار