لم يعد خافياً على أحد بعد الخطاب الأميري أن لا عودة لرئيسي السلطتين، التشريعية والتنفيذية، مرزوق الغانم والشيخ صباح الخالد، إلى منصبيهما، لأن لكل منهما اعتباراته، أكانت سلباً أو إيجاباً.هكذا يتصور كثير من الكويتيين الذين يرون أن فشل الرجلين في بناء جسور التعاون بين أهم ركيزتين في إدارة الدولة قد أدى إلى سلسلة أزمات عاشتها الكويت منذ نوفمبر العام 2019 حتى اليوم، وكانت بغنى عنها، وأن عودة أي منهما إلى منصبه يعني استمراراً لتوليد تلك الأزمات، لأنهما أقفلا، كل بطريقته، الأبواب أمام حلول كان يمكنها هدم الجدار الذي بني لقطع طريق تنمية البلاد.صحيح أن الخيارات في الانتخابات المقبلة مفتوحة على كل الاحتمالات، لكن العاقل يدرك أن خسارة مرزوق الغانم كانت كبيرة، وبالتالي إذا سئل أي مراقب سياسي عن عودته إلى رئاسة مجلس الأمة، لكان الجواب: "يكفيه المجد الذي حصل عليه في السنوات التي تولى فيها الرئاسة"، لكن السؤال الواجب أن يكون في ذهن أي طامح إلى رئاسة السلطة التشريعية المقبلة هو: ما الذي جعل الغانم يصل إلى هذا الطريق المسدود، وكيف يمكن تفادي الأخطاء التي وقع فيها؟للإجابة عن هذا السؤال لا بد من قراءة السيرة السياسية للرجل خلال السنوات التسع التي أمضاها في الرئاسة، لا سيما الأخيرة منها مع الحكومات الأربع لسمو الشيخ صباح الخالد، التي كان واضحا فيها أن الغانم يشكل رأس الدولة العميقة، فهو يختار من يريد من الوزراء والموظفين في المناصب الكبيرة ويحدد مرئياته لهذه الوزارة أو تلك، ولقد استطاع خوض معاركه بتلك الأدوات.من خلال ذلك، أيضا، عمل الغانم على تحويل كل الأحداث لمصلحته، إلى حد توظيفه استجواب ثلاثة وزراء سياديين، وهم نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع السابق، ووزير الداخلية السابق، ووزير الخارجية الحالي في تقديم نفسه أنه المنقذ لهم من الإعدام السياسي، لاغياً بذلك سلطات الحكم الأخرى، وهو ما دفع برئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الخالد في نهاية جلسة أحد الاستجوابات لطبع قبلة حارة على رأس الغانم. إضافة إلى ذلك، كان الرجل يجوب العالم كأنه الناطق باسم الحكم، يلتقي الملوك والرؤساء، بل مارس في بعض الأحيان دور رئيس مجلس الوزراء، أو وزير الخارجية حين كان يتحدث عن مواقف الكويت في ملفات معينة، ربما كانت خاطئة أو صحيحة، لكن ليس رئيس مجلس الأمة المكلف الحديث عنها، بل لها قنواتها الخاصة في السلطة التنفيذية.
بعد كل هذا المجد الذي حققه الغانم، لن يكون من السهل تنازله عن ذلك، لهذا طالما أن الأمور باتت واضحة للجميع، فلا شك أنه لن يعود إلى المجلس مجرد نائب، فيما هو القائل في إحدى المرات إنه لن يخسر شيئاً إذا خرج منه، فترتيبه البروتوكولي سيكون الرابع بدلاً من الثالث في المناسبات الرسمية، وسيبقى يُستشار عند تشكيل كل حكومة.لكن يبقى السؤال الأساسي هو: هل استطاع النجاح في مهمته كرئيس شاب لمجلس الأمة يدرك جيداً ما تحتاج إليه الكويت الجديدة التي عمادها الشباب لبناء مستقبل أفضل؟ الإجابة هي: أن الكتاب يُقرأ من عنوانه، ولقد رأينا بهذه المعارضة الشعبية والبرلمانية الكبيرة له، أنه عبَّد بيده وبتعاونه مع رئيس مجلس الوزراء غير المتحمس للعمل، المتباهي فقط بثوبه الأبيض، الطريق إلى نهاية مسيرته السياسية، التي سيكون عنوانها نهاية رجل شجاع.
أحمد الجارالله