كتب - أحمد الجارالله:يُسجَّل للحكومة الحالية أنها الأكثر تخبُّطاً وتردُّداً ما يُؤهلها أن تدخل موسوعة "غينيس" في هذا المضمار، فوزير ماليتها يُعلن تقديم استقالته ثم يتراجع، ويقول كلاماً في جلسة لمجلس الأمة وينفيه في اليوم التالي، ووزير الداخلية ليس أحسن حالاً من زميله، فهو يُصدر أمراً في الليل ليلغيه صباحاً، بينما وزير الصحة، بل مجلس الوزراء مجتمعاً، لم يحسم إلى اليوم كيف يمكن معالجة تبعات جائحة "كورونا".في المقابل، فإن مجلس الأمة يسير على طريق الحكومة، وكأنَّ عدوى ضربت المؤسستين الدستوريتين الأساسيتين في البلاد، فالنواب اللاهثون خلف تحقيق مكاسب انتخابية يسنُّون قوانين يُناقض بعضُها بعضاً، هي أقرب لتنفيعات أكثر من كونها لتيسير شؤون الناس، ومن أوضح الأمثلة على ذلك موضوع إصلاح التركيبة السكانية، إذ يبدو أن الحكومة والمجلس لا يعرفان ماذا يريدان منه، فمن يُطالع الاقتراحات التي يتزاحم عليها الجميع يتأكد أنهما في "حيص بيص". في هذا الشأن تحديداً أقل ما يُقال بالمشاريع المقترحة إنها صادرة من غير ذي علم، أو هي قص ولصق، صيغت على عجلٍ كي يقول واضعُها إنه قدَّم شيئاً ما، فوزيرة الشؤون الاجتماعية مريم العقيل قدَّمت اقتراحاً لحل هذه المشكلة، هو في الحقيقة مأخوذ مما كانت قدَّمته سابقاً الوزيرتان هند الصبيح وبعدها ذكرى الرشيدي، وبدلاً من أن يعمل مجلس الأمة على دراسة الاقتراح قدَّم رئيس مجلس الأمة وخمسة نواب مشروع قانون مقابلاً. فيما هيئة القوى العاملة تبدو في عالم آخر، وكأنها دولة بحالها، إذ لا تنتظر القانون الذي سيصدر، فتصدر قراراً لتتبعه بآخر مناقض له، أو تعلن إجراءات لتعود عنها، فمثلاً في تحديد من ينال إذن عمل، أو من يجب أن يتولى منصباً في شركة خاصة، لم تنظر إذا كان ذلك يتوافق مع القانون والدستور، إنما تدخلت في شأن خاص بين ربِّ العمل والموظف، وأصدرت سلسلة قرارات آخرها عدم تجديد إذن عمل الوافد الذي تخطى الستين من العمر، في الوقت الذي أصدرت فيه وزارة الداخلية قانوناً لإقامة الأجانب هو أقرب إلى الخيال، وفوق كل هذا شكَّلت الحكومة قبل أيام فريقاً برئاسة أحمد الكليب لدراسة التركيبة السكانية ووضع توصيات لإصلاحها، حتى بات لسان حال الكويتيين: "جبناك يا عبدالمعين تعين لقيناك يا عبدالمعين تتعان".الواضح أن هذا الملف هو الموضة حالياً، فالوافدون هم الطرف الأضعف، ونحن كل يوم أمام هبة باردة وأخرى ساخنة، بينما في الواقع إن قانون العمل والإجراءات المتبعة في وزارة الشؤون وهيئة القوى العاملة سهلت لتجار الإقامات العبث بالأمن الاجتماعي للبلاد.
قبل كلِّ شيء هل عملت القوى العاملة على ضمان أن تصل رواتب العمال إليهم، أم أنها تركت تاجر الإقامات يجلب هؤلاء ويرميهم في الشارع، أو يُصادر رواتبَهم المتفق عليها ويصرف لهم نصفها، بل يصادر بطاقاتهم المصرفية، ويتركهم يهيمون على وجوههم يجوعون و "يطرون" لذلك نرى تزايد عدد المخالفات والجرائم لأن الجوع كافر، والظلم ظلمات.يؤخذ علينا التحدث عن الدول المجاورة وتقدُّمها ونهضتها، خصوصاً الإمارات والسعودية، والنتائج التي وصلت إليها، بينما نُحاول أن نعرض لكيفية استفادة هذه الدول من الوافد كقيمة مضافة، يعزز دورتها الاقتصادية ويرفع من ناتجها القومي، فهناك مهن لا تعمل بها شعوب كثيرة، مثلاً الذين بنوا برج خليفة في دبي وافدون، كذلك مطار دبي، بل مطارات الإمارات كلها، وأبراجها، وطرقها، ويعملون كلهم عند رب عمل واحد هو دولة الإمارات، وفيها ينفقون أموالهم، ولم تتخذ قرارات عشوائية وارتجالية في شأنهم تماشياً مع أفكار هذا النائب أو ذاك.في السعودية حين رأت حكومتُها أن هناك نسبة من الوافدين ليست بحاجة لها فرضت عليهم وعلى أرباب العمل رسوماً أدت إلى خفض العمالة الوافدة بنحو ثلاثة ملايين نسمة، وفي المقابل عززت المبادرة الفردية، كذلك في البحرين وعُمان، بات يمكن للوافد أن يستثمر أمواله بنسبة تفوق 50 في المئة، أما في بريطانيا، كنموذج غربي، فيعمل المواطنون في مهن معينة، بينما في البناء ومحال البقالة وغيرها من الحرف يعمل بها وافدون ويدفعون ضرائب، ولا ينامون على قلق ويستيقظون على خوف كما هي الحال في الكويت.أما في سويسرا فيعمل السويسريون في صناعة الساعات والشوكولاتة أو في البنوك والإدارة، بينما الوافدون يعملون في مجالات أخرى، وهذه الدولة أغنى من الكويت وناتجها القومي 700 مليار دولار، فيما هي ليست نفطية، انما تستفيد من الاستثمارات والانفتاح الاقتصادي على العالم، وتشريعاتها المرنة التي تشعر المقيم بالأمان.منذ نحو أربعة عقود لم يجر تحديث البنية التحتية الكويتية، ولدينا مساحات هائلة من الطرق المحفرة وغير الصالحة للسير، إضافة إلى مشاريع نفطية وغيرها، كما أن هناك مدناً إسكانية جديدة، وكل هذا يحتاج إلى أيدٍ عاملة، فهل تعتقدون أن الكويتيين سيعملون في هذه المشاريع؟ وهل لدينا العدد الكافي لذلك؟ما يجري هو دفع الناس إلى الرعب والخوف، فالوافد الذي أمضى 20 أو 25 سنة في البلاد، وينفق كل أمواله فيها، وأولاده تعلموا فيها هو -بالحقيقة- قيمة مضافة لا يمكن الاستغناء عنها، إضافة إلى ذلك هل تعتقدون أن كل التجار والمستثمرين الذين سيأتون إلى الاستثمار في الكويت لديهم مئة ألف دينار وشهادة جامعية، بينما البلاد مقفلة اجتماعياً؟في السعودية والإمارت والبحرين حين شعرت الحكومات أن مواطنيها ينفقون مبالغ كبيرة على السياحة الخارجية عمدت إلى الانفتاح الاجتماعي، والترفيه البريء، بل إن بعض الدول سمحت بالمشروبات، أما في الكويت فإن كل القرارات التي تصدر تهدف إلى العزلة أو تحويل المجتمع إلى غالبية من العزاب، فيما المطلوب وعي بما يخدم مصلحة البلاد واستقرارها ومستقبلها، وليس دفعها إلى الركود الاقتصادي، والانغلاق على الذات، فالتركيبة السكانية ليست هي العلة، بل المشكلة في القوانين التي تسمح بتجارة البشر، ولأن الحكومة ومجلس الأمة لن يعترفا بالحقيقة سيظلان -كما يقول المثل- حائرين بين مسجدين لذلك سيرجعان من دون صلاة.