السبت 02 مايو 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كل الآراء

هل يتحمل الشرق الأوسط تكرار الأخطاء؟

Time
الاثنين 19 أبريل 2021
السياسة
د. سالم الكتبي

هناك شواهد ودلائل عدة تؤكد أن نظام الملالي الايراني قد وصل إلى مرحلة أصبح فيها معضلة ستراتيجية حقيقية للقوى الاقليمية والدولية على حد سواء، وأحد أسباب تشكّل هذه الخلاصة أن هذا النظام بات يدور خارج فلك النظام والقانون الدولي، وأصبح نموذجاً يمضي بسرعة على درب الدول التي أصبح التنبؤ بسلوكها صعباً للغاية، ناهيك عن السيطرة عليها واحتواء خطرها والتهديدات الصادرة عنها.
وما يضاعف خطر نظام الملالي أنه يمضي في سلوكه مستفيداً من ظاهرتين خطيرتين أولهما انقسام مواقف القوى الكبرى حيال ما يمثله هذا النظام من تهديد وإضرار بالأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وثانيهما عدم امتلاك القوة الأكثر تأثيراً في صناعة القرار الدولي "الولايات المتحدة" بدائل وخيارات ستراتيجية فاعلة وقادرة على ردع هذا النظام، والحيلولة دون أن يمضي في تحديه المتواصل لإرادة المجتمع الدولي.
في البداية، من المفيد التأكيد أنه لا أحد يختلف مع نهج الرئيس الأميركي جو بايدن في البحث عن مخرج للأزمة الايرانية من خلال أدوات ديبلوماسية، فلا أحد ـ من داخل المنطقة تحديداًـ يريد أن يرى النيران تشتعل في منطقة الخليج العربي ذات الأهمية الستراتيجية البالغة للعالم أجمع، ولكن يجب أن نتذكر بالمقابل أن الديبلوماسية لم تفلح على مر التاريخ في اقناع الأنظمة الانتحارية ـ على شاكلة نظام الملالي ـ باحترام هذا النهج والقبول بمنطق "لا فائز ولا مهزوم" من خلال القبول بقواعد تفاوض عادلة.
لا أحد أيضاً يتشكك في فهم الرئيس بايدن وفريقه الرئاسي للفكر والذهنية الايرانية، بحكم التجارب السياسية السابقة، ولكن من المهم للغاية أن تستفيد الولايات المتحدة من فرصة التشاور مع أصدقائها في رحلة البحث عن طريق ثالث "بين خياري الحرب والتنازلات المجانية" للتعامل مع ملالي إيران.
فاللافت أن الرئيس بايدن لم يتحدث كثيراً ـ حتى الآن ـ مع معظم قادة ورؤساء الدول الحليفة للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، حيث يفترض أن يتشارك الأفكار ومناقشة البدائل والاقتراحات كافة والتعرف إلى اتجاهات السياسة الخارجية الأميركية في أهم ملف يؤرق هؤلاء القادة والزعماء.
ولعل أكثر ما يقلقني ـ كمراقب وباحث ـ في ملف الأزمة الايرانية هو لغة "التودد"، اللافتة التي يبديها المسؤولون الأميركيون حيال ملالي إيران، وهي لغة أقرب إلى ما يمكن تسميته بالتوسل ولا علاقة لها بالتودد المرتبط للوهلة الأولى بالاشارات الايجابية المتعارف عليها في العلاقات الدولية التقليدية، ويكفي أن إحدى الصحف الصادرة باللغة العربية قد وصفت هذا النهج بـ "تدليل الملالي".
ولعل خير شاهد على ما أقصده هو تصريحات أدلى بها مؤخراً روبرت مالي المبعوث الأميركي إلى إيران، وقال فيها إن بلاده تود إجراء حوار بالصيغة التي ترضي طهران، وفي لقاء له مع "بي بي سي فارسي"، أوضح المبعوث الأميركي أن بلاده تدرك أن عقوباتها على إيران تخلق وضعا صعبا، وأنها لا تشعر بالرضا في فرض تلك العقوبات التي وصفها بالسياسة الفاشلة.
وقال "ما نود فعله هو إجراء حوار مع إيران بأي صيغة ترضيها، فنحن لا نشعر بالرضا لفرض هذه العقوبات وندرك أنها تخلق وضعاً صعباً، ولكن ما نود القيام به هو إجراء حوار مع إيران بالصيغة التي ترضي بها الحكومة الإيرانية للتوصل إلى وضع نرفع فيه تلك العقوبات، امتثالا لالتزاماتنا بموجب الاتفاق النووي". صحيح أن مثل هذه التصريحات قد تكون "موجهة" ومقصودة تماماً ولاسيما عبر القنوات التي ترسل من خلالها، ويراد منها إرضاء "غرور" الملالي ومنحهم انتصاراً إعلاميا ودعائياً وهمياً من خلال الاعتراف بفشل سياسة العقوبات الصارمة، حتى وإن كان هذا الاعتراف مخالف تماماً للواقع الذي يعكس حجم الخسائر التي تلحق بإيران جراء العقوبات.
ولكن مثل هذه التكتيكات السياسية الأميركية لا تلقى آذاناً صاغية لدى الملالي، الذين يرون فيها ضعفاً وخنوعاً من جانب الإدارة الديمقراطية، ما يدفعهم بالتبعية إلى مزيد من التشدد والتنطع في طرح المطالب، وهو ما يفسر رفضهم كل اقتراحات الجلوس على مائدة التفاوض التي عرضها الوسطاء الأوربيين بموافقة أميركية.
اللافت أن لهجة المسؤول الأميركي، الذي يفترض أنه أكثر أعضاء فريق الرئيس بايدن وعياً بفكر القادة الايرانيين، كانت أخف حدة ووطأة من تصريحات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي طالب الملالي بالتصرف بمسؤولية وعدم زيادة الوضع سوءا في ما يتعلق بالاتفاق النووي!
المعضلة في ستراتيجية إدارة الرئيس بايدن تجاه إيران أنها ـ حتى الآن ـ تكاد تطابق نهج الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي "تودد" للملالي كسبيل للتوصل إلى الاتفاق النووي من دون أن يأخذ في الاعتبار مقتضيات أمن واستقرار حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليح العربي، وهذا مايجب التحذير من أن تنجرف إليه الأمور مجدداً في رحلة البحث الأميركية الجديدة عن سبيل للجلوس مع الملالي على مائدة التفاوض، فالشرق الأوسط لم يعد ـ جيوسياساً ـ كما كان عام 2015، ونتائج التجربة الأليمة التي قاد إليها الاتفاق النووي الموقع آنذاك ماثلة للجميع، إذ لا يخفي على أحد حجم العبث والفوضى التي تسبب فيها التوسع العسكري الايراني اعتماداً على هذا الاتفاق، ولا يخفى أيضاً على أحد أن هشاشة الأوضاع في هذه المنطقة من العالم تجعل منها منطقة قابلة للانفجار بحيث لم تعد تحتمل أخطاء ستراتيجية جديدة في التعامل مع مصادر الخطر والتهديد.

كاتب إماراتي
آخر الأخبار