عبدالله الضعيانمما لا شك فيه أن الكل متفق على أن الأمة مصدر السلطات حسب نص المادة السادسة من الدستور، ولكن تلك المادة تعطف على أن ممارسة السيادة وفق الوجه المبين بالدستور، أي بواسطة مؤسسات وسلطات الدولة الثلاث، وخاصة المؤسسة التشريعية التي بواسطتها تزاول الأمة سيادتها.والأمة في عجالة تعني جميع أهل أو مواطني البلد، وليست (إن صح القول) الأغلبية أو الأقلية أو فئة معينة، وبالتالي إذا ما مارست فئة معينة ممن لا ينتمون لأي من السلطات الثلاث، وخصوصا السلطة التشريعية تبني أي رأي معين أو نهج لا يعدو أن يكون رأيا لا يلزم الأخذ به، وبالتالي لا يمثل ذلك الرأي إجماع الأمة المقصود. أما المادة 45 من الدستور فلا تستغرق وثيقة القيم بالذات اذا كانت تلك الوثيقة تصدر من جماعة، والدستور لا يعطي الحق للجماعات بمخاطبة السلطات ويقصر تلك المهمة على الأفراد بشخوصهم وانفرادهم والأشخاص المعنوية والهيئات فقط، وكذلك المادة 56 من الدستور تبين أن المشاورات التقليدية بها إلزامية دستورية للمشاورة فقط، وليس إلزامية نتيجة الشورى تطبيقا للمبدأ الذي بينه عز وجل في محكم كتابه في سورة آل عمران الآية 159 (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) وان تلك الشورى لا تتأتى من تلك الوثيقة.إذن الوثيقة ليست لها قوة الزامية، بل مجرد تعبير عن رأي صادر عن مجموعة من المواطنين لا يمثلون الأمة بأسرها، والدستور لم يتطرق لها أي لم يرسم طريقا إجرائيا، حيث إن حق حرية التعبير عن الرأي مكفول بقوة الدستور وفق المادة 36 والوثيقة يستأنس بالأخذ بها بعين الاعتبار، ولكن يبقى الاحتكام لأي رأي يجب أن يكون من خلال المؤسسة التشريعية ممثلة بنواب الأمة داخل البرلمان وفق الطرق المرسومة، ويجب الانصياع للنتيجة مهما كانت طالما أنها أتت عبر الطرق الدستورية والقانونية، حتي لا نكون بصدد سابقة قد يظنها البعض أنها واقعة مستقرة. واننا إذ نكن الاحترام والتقدير لمن ينادي بالوثيقة، وان اختلفنا مع البعض في الرأي فلا يعني البغض والعداء، ولو اتفقنا مع البعض الآخر في وجهات النظر فليس معناه التقديس والتمجيد لهم أو لمواقفهم، فقد نتفق بالكل، ولكن نختلف بالجزء، وعلى العكس تماما إن اختلفنا بالكل فلن نتفق بالجزء. والخلاصة أن تلك الوثيقة لا تعدو أن تكون وثيقة شعبية صادرة من مجموعة من الشعب قد تمثل الأغلبية أو قد تمثل الأقلية، تعبر عن رأي معين، وطالما تواجد رأي آخر أضحت لا تمثل الأمة بأسرها.محامي دستورية وتمييز