مشعل عثمان السعيدالورطة كل أمر تعسر النجاة منه، وكل إنسان وقع في أمر صعب النجاة منه يسمى: ورطة، والجمع من ورطة ورطات، وراط، أوراط، وتأتي الورطة بمعنى: الهوة الغامضة العميقة في الأرض، واذا قيل: أورطه فالمعنى أوقعه في ورطة، ونحن في لهجتنا نقول: ورطنا وتورطنا، وأحيانا: "شهالتوريطة"، والضد من كلمة ورطة: انفراج، ارتياح، انشراح، تسهيل، وهكذا عندنا في اللهجة الضد من الورطة: "سهالة" أو "سهالات"، وفي الورطة وانفراجها بإذن الله تعالى يقول الإمام الشافعي:"ضاقت فلما استحكمت حلقاتهافرجت وكنت أظنها لا تفرج".وأعود الى عنوان هذا الموضوع "ورطة شاعر" وما أكثر من تورط من الشعراء، وكتب التاريخ حافلة بمثل هذه الأمور، أما الشاعر الذي أحدثكم عنه فهو: المؤمل بن أميل بن أسيد المحاربي، وهو شاعر معروف عاصر أواخر بني أمية وعاش الى خلافة محمد المهدي الخليفة العباسي الثالث (158-169هـ )أما الورطة التي وقع بها، فلها قصة، وهي ان هذا الشاعر دخل على محمد المهدي عندما كان ولي عهد أبيه المنصور وقال فيه أبياتا جميلة للغاية منها:"هو المهدي إلا أن فيهمشابه صورة القمر المنيرتشابه ذا وذا فهما اذا ماأنارا يشكلان على البصيرفهذا في الظلام سراج ناروهذا بالنهار سراج نورولكن فضل الرحمن هذاعلى ذا بالمنابر والسرير".ويقول في بعض أبياتها أيضا:"فيا بن خليفة الله المصفىبه تعلو مفاخرة الفخورلقد فت الملوك وقد توافوااليك من السهولة والوعوروقد سبق الملوك ابوك حتىبقوا من بين حاب او حسيروجئت وراءه تجري خبيباوما بك حين تجري من فتورفقال الناس ما هذان الاكما بين الفتيل الى النقيرفإن سبق الكبير فأهل سبقله فضل الكبير على الصغير"والمؤمل بن أميل رغم جمال أبياته إلا انه اغترفها من بحر الخنساء حيث تقول وقد تسابق أبوها واخوها:"جارى اباه فاقبلا وهما
يتعاوران ملاءة الحضرحتى اذا جد الجراء وقدساوى هناك العذر بالعذروعلا هتاف الناس أيهماقال المجيب هناك لا أدري!برقت صحيفة وجه والدهومضى على غلوائه يجرياولى فأولى أن يساويهلو لا جلال السن الكبروهما كأنهما وقد برزاصقران قد حطا إلى وكر".وأعود الى الحكاية، فما أن سمع محمد المهدي الأبيات، وكان جوادا أريحيا، حتى أمر للمؤمل بمئة ألف درهم ففرح المؤمل فرحا شديدا وأخذ المال، اتصل الخبر الخليفة المنصور وكان بخيلا يسمى "أبو الدوانيق" فبعث الى ابنه المهدي ولامه وعنفه وقال له: ما هذا السرف؟ كيف تعطي شاعراً مئة ألف درهم انما كانت سبيلك أن تعطيه أربعة الاف درهم بعد ان يقف ببابك سنة، ثم بعث المنصور في طلب الشاعر وأنفذ قائدا من قواده يبحث عنه ويتصفح الوجوه حتى وقع عليه، فجيء به الى المنصور ترتعد فرائصه من شدة الخوف فطمأنه المنصور ثم قال له: أتيت غلاما غرا فخدعته!قال نعم يا أمير المؤمنين أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع لي! فكأن كلامه أعجب المنصور ثم قال له: أنشدني ما قلت فيه فأنشده فقال:"أحسنت ولكن هذا لا يساوي مئة ألف درهم أين المال قال: ها هو ذا، فالتفت المنصور الى حاجبه الربيع بن يونس وقال له: ياربيع خذ المال منه وأعطه اربعة الاف درهم، ففعل ولما توفي المنصور وتولى الخلافة محمد المهدي رفع المؤمل شكاية له يذكر فيها ما جرى، وما أن رآها المهدي حتى ضحك وامر له بضعف المبلغ، ومن العجائب في سيرة المؤمل بن أميل انه كان يهوى امراة من أهل الحيرة اسمها هند فقال فيها:"شف المؤمل يوم الحيرة النظرليت المؤمل لم يخلق له بصرقتلت شاعر هذا الحي من مضروالله يعلم ما ترضى بذا مضريكفي المحبين في الدنيا عذابهموالله لاعذبتهم بعدها سقر".فرأى في نومه بعد أن قال هذه الأبيات قائلا يقول له: أنت المتألي على الله تعالى إنه لا يعذب المحبين حيث تقول:"يكفي المحبين في الدنيا عذابهموالله لا عذبتهم بعدها سقر"!فقال: نعم، فقال له كذبت يا عدو الله أو لست القائل تتمنى أن تعمى:"شف المؤمل يوم الحيرة النظرليت المؤمل لم يخلق له بصر".قال بلى، فأدخل الرجل أصبعيه في عينيه وقال: هذا ما تمنيت، فانتبه المؤمل من نومه مذعورا فإذا هو أعمى! وكما يقال:"البلاء موكل بالمنطق، جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله".كاتب كويتي