الأربعاء 15 أبريل 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الافتتاحية

يا حكومة... ادرسي قراراتك قبل إعلانها

Time
السبت 24 ديسمبر 2022
السياسة
"كيف ما تطقها عوجة"، ينطبق هذا المثل على حكوماتنا، التي منذ ما يزيد عن أربعة عقود، تُصدر قوانين وقرارات، سرعان ما تكتشف خيبتها؛ لأنها ارتجالية، أو هي ردة فعل على حدث ما، وليس مسار دولة، لذلك فتح التخبُّط الأبواب كافة للفساد والمحسوبيات، ما أدى إلى التسيب، وأظهر الدولة ضعيفة "تسير على البركة"، وليس لها ستراتيجية كبقية دول العالم.
لا شكَّ أنَّ هذه الحال دفعت إلى مزيد من ضعف المناعة الوطنية؛ لأنه حين تحضر المحسوبيات، والقرارات المبنية على مصالح بعض الأشخاص، وليس فائدة المجتمع، لذلك لن يرعوي الموظف عن فعل أي أمر مخالف؛ لأنه يستند إلى "الواسطة" القبلية أو الطائفية أو العائلية، فـ"فراش البلدية" جاهز لتحميله المسؤولية، أو "المستشار الوافد"، هذه الهبة الجديدة التي تمسك بها الكويتيون أخيراً، وهو كلام حق يراد به باطل؛ لأن الوافد المنهية خدماتُهُ من الحكومة يُستعان به عبر "بند المكافآت" أو شركات التوظيف من الباطن، وذلك يعني زيادة على التكاليف على الدولة.
ثمة الكثير من الأمثلة على التخبُّط الذي تُعانيه المؤسسات الرسمية، وفي المجالات كافة، بدءاً من إجازات السوق لغير الكويتيين، التي لا تصدر إلا لمن لديه شهادة جامعية، وراتبه أكثر من 600 دينار، فبالله عليكم، هل سيخترع الذرة بالإجازة، أو أن هذا القرار نتيجة غياب التخطيط السليم؟
قبل أكثر من عامين أصدر المدير العام لهيئة القوى العاملة قراراً إدارياً، من خارج إطار صلاحياته، قضى بوقف تجديد إقامة من تجاوز الستين عاماً من الوافدين، وترحيله من البلاد، وحين نشب الخلاف بينه وبين وزير التجارة، الوصي بحكم منصبه على الهيئة، علق القرار، ومن ثم تم الالتفاف عليه بتدفيع من ليس لديه شهادة جامعية ما يزيد على 850 ديناراً، فيما انطوى هذا القرار على عيب دستوري، وهو عدم جواز وضع ضريبتين على خدمة واحدة.
حينها رضخ بعض الوافدين الذين لديهم القدرة على الدفع، فيما خسرت الكويت الكثير ممن عملوا في هذه البلاد لعقود عدة، وباتوا يعرفون عاداتنا وثقافتنا، ولديهم خبرة طويلة، وتميزوا بالأمانة؛ لأنهم شعروا طوال تلك السنوات بالأمن والأمان والاستقرار في الكويت، فهؤلاء حضروا شبانا يافعين و"تعلموا التحسونة براس الصلعان" وتمرَّسوا بالعمل.
لم يُدرك صاحب القرار، ولا حتى الذين أيدوه، مدى الخسارة التي ترتبت عليه؛ لأن الهدف ليس مصلحة الكويت، بل بضعة أشخاص، هم تجار الإقامات، الذين استفادوا من ذلك بجلب المزيد من العمالة لرميها في الشوارع.
فيما بكلِّ دول العالم، التي تسعى إلى تحقيق نهضة واستقرار اجتماعي، تكون الدولة هي كفيل العامل الأجنبي، تفسح له المجال لدخول البلاد والبحث عن فرصة عمل، وحين يجدها تصدر له إقامة، كما هي الحال حتى في الإمارات وقطر وعمان والبحرين والمملكة العربية السعودية والعالم.
من القرارات الخائبة، أيضاً، الرسوم على أدوية الوافدين، وهي في العمق ضد الكويتي؛ لأنها تزيد التكلفة عليه فهو من يدفع في نهاية المطاف تلك الزيادات وهذا يرفع معدل التضخم.
ومن آخر صيحات التخبط الحكومي، القرار الذي صدر قبل أيام برفع الرسوم على القسائم الصناعية وتلك المخصصة للمخازن، وعلى الشاليهات، ليتضح في النهاية أن المقصود شركة معينة، ولا أحد يعرف الهدف من ذلك، لكن ولأن القرارات الارتجالية عادة متأصلة في حكوماتنا، ليس مستغرباً أن نجد غداً فرض رسوم على الأملاك كافة، والبيوت والعقارات، فمن ليست لديه فطنة لا يتوانى عن أي فعل.
كل حكومات المنطقة أطلقت ما يُسمى الحكومات الإلكترونية، وكانت منذ عقود بدأت العمل بنظام الموظف الشامل، واختصرت الدورة المستندية لإنجاز المعاملات، إلا الكويت لاتزال دورتها المستندية، أكان في التجارة أو الصناعة أو الخدمات والبلدية وغيرها على "طمام المرحوم" فأنت تحتاج إلى عشرات التواقيع والمستندات للحصول على رخصة مشروع، بينما في بعض دول الخليج هناك عشرات المناطق الحرة التي لا يحتاج المستثمر فيها، أكان مواطناً أو أجنبياً، أكثر من يوم أو يومين لبدء مشروعه.
كل هذا يدفع إلى التحايل على القانون، كذلك الرجل كان يبحث عن بيت للإيجار، ولم يؤجره أحد لأن عنده ثمانية أولاد، وحين أسقط في يده، طلب من زوجته اصطحاب سبعة من أودلاهما إلى المقبرة لزيارة قبر والدها المتوفى، فيما أخذ ابنه البكر معه ليستأجر بيتاً، وحين سأله صاحبه: كم ولداً لديك؟ قال: "ثمانية، سبعة في المقبرة مع أمهم، وهذا الثامن".
وحين وقَّع الرجل العقد، التفت إلى ابنه قائلاً: "لا داعي للكذب يا بني، لكن عليك اختيار الكلمات المناسبة"، وحكوماتنا تختار الكلمات المناسبة لتزيين القرارات الخاطئة، فهي دائماً تتحدث عن رفاهية الشعب، بينما تدوس في بطن مستقبله ومستقبل الدولة والأجيال القادمة.

أحمد الجارالله
آخر الأخبار