كتب ـ محمود خليل:"نزل القرآن الكريم بلغة العرب ومن عاداتهم القسم إذا أرادوا تأكيد أمر، وقد جرى القران الكريم على هذا النحو، فاستخدم صيغا متعددة للقسم، منها ماهو ملموس وما هو معنوي، فما الأشياء التي استخدمها الله تعالى في القسم وما دلالاتها ؟"يوم القيامةأقسم الله بـ"يوم القيامة" في قوله تعالى: "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ"، وقد جاء هذا القسم في سورة "القيامة" وهي سورة مكية، يبلغ عدد آياتها أربعين آية، ترتيبها السورة الخامسة والسبعون تقعُ في الجزء التاسع والعشرين، والحزب التاسع والخمسين، من ترتيب المصحف الشريف، نزلت كلُّ آياتها في مكة المكرمة، على رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، بعد سورة القارعة، وقد سميت بذلك لتصويرها يوم القيامة وأهواله وكيف يبعث الناس بعد الموت، ويقومون من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم، جاء قوله تعالى واصفا أحوال يوم القيامة: "فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لا وَزَرَ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ".
إن سورة "القيامة" تنقسم إلى قسمين، يختلفان ظاهريًّا ويتفقان باطنيًّا، فالآيات الأولى تشرح يوم القيامة وأهوال هذا اليوم، والقسم الثاني يشرح أحوال الناس في يوم الحساب، إذ يفرِق بين السعداء والأشقياء وأحوال كلِّ فريق على حدة، إذ تقدم السورة بيانا إلهيا واضحا لا لبس فيه بما سيحدث يوم القيامة، من جمع الشمس والقمر إيذانا بهدم النظام الكوني، وسؤال الله تعالى للإنسان أين المفر؟، فهو مسئول مسئولية كاملة عن كل أعماله، إذ سيرى أعماله في الدنيا، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فقد أرسل الله تعالى إليه الرسل، وأنزل معهم الكتب ووضح له الطريق، وهو الذي اختار طريقه بلا قهر ولا إجبار أو تضليل.يسمى هذا اليوم بيوم القيامة، لقيام الأموات فيه من موتهم، والذى يمثل نهاية العالم والحياة الدنيا، وهو موعد الحُكم والحساب الأخير للبشر عند الله تعالى، إذ يشمل إنهاء حياة كل البشر والمخلوقات، ثم يُبعث ويقوم البشر من موتهم ويُنشرون من قبورهم، ثم يُعرضون للحساب الآلهي، ويقوم الله عندها بجزاء المؤمنين الموحدين بالجنة والكفار والمشركين بالنار.كما يسمى بيوم البعث، أي بعث الموتى، وأيضا بيوم الخروج، لخروج الموتى من قبورهم، كذلك يسمى باليوم الآخر، أو يوم الحساب، حيث يحاسب كل إنسان بما عمل فى دنياه، علاوة على يوم الفصل، حيث يفصل فيمن كان لا يؤمن به ويجزى على تكذيبه.بجانب من سبق هناك أيضا أسماء كثيرة لهذا اليوم، ذكرها سبحانه وتعالى فى آيات القرآن الكريم، منها، يوم الدين، الصاخّة، الطامّة الكبرى، يوم الحسرة، الغاشية، يوم الخلود، الواقعة، يوم الوعيد، يوم الجمع، الحاقة،يوم التناد، يوم التلاق، يوم التغابن.أما لماذا خلق الله تعالى يوم القيامة، فلإنه سبحانه وتعالى يتصف بالحكمة، والحكيم لا يصدر عنه فعلاً باطلاً لا هدف منه، لقوله تعالى، "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون"، بالتالي فالعدالة الإلهية، تقتضى إعطاء كل ذي حقٍ حقه، والعادل لا يظلم ولا يجور، بناء على ذلك، فالعدل الإلهي يقتضي أن يكون هناك يوم يحاكم ويحاسب فيه جميع الناس، فيثاب فيه المطيع ويعاقب العاصي.وفي المقابل يعنى عدم وجود يوم القيامة– حاشا لله تعالى - حصول الظلم والجور من الله تعالى، وهذا يتنافى مع غنى الله تعالى وعدم احتياجه للغير، لأن الظلم نقص، يصدر إما عن جهل أو حاجة لدى الظالم، والله تعالى منزه عن جميع ذلك.من جانب آخر، يرى البعض أن يوم القيامة وحساب الناس، روحاني فقط، أي أن روح الإنسان فقط، دون جسمه، هي التي ستبعث يوم القيامة للحساب، يرى آخرون أن القيامة تكون فقط لجسم الإنسان دون روحه، أما أهل السنة والجماعة فيرون أن القيامة روحانية وجسمانية.